عناية القاضي وكفاية الراضي، ج 1، ص: 235
رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذ أتاه ملك فقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبيّ قبلك فاتحة الكتاب، وخواتم سورة البقرة، لن تقرأ حرفا منهما ألا أعطيته. وعن حذيفة بن اليمان أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إليك يدلان على علمين عظيمين من العلوم اللدنية، والعلم والوحي يطلق عليه النور كما تطلق الظلمة على مقابله قال تعالى: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [سورة الحديد، الآية: 13] . وقوله:
(لم يؤتهما) إلخ أي هو مخصوص به صلّى اللّه عليه وسلّم من بين الأنبياء، والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، وفاتحة الكتاب وما عطف عليه بالجرّ عطف بيان أو بدل مما قبله ويجوز رفعه ونصبه، وخواتم سورة البقر من قوله: آمَنَ الرَّسُولُ [سورة البقرة، الآية: 285] إلخ وخواتم بميم بعد المثناة وفي نسخة خواتيم بياء تحتية جمع خاتمة على خلاف القياس وهو مسموع كما نقله الثقات وفي الحديث: «الأعمال بخواتيمها» «1» وقيل سميا نورين لاشتمالهما على الحروف النورانية، وهي أربعة عشر حرفا مذكورة في أوائل السورة وهو بعيد، والمخاطب النبيّ عليه الصلاة والسلام حقيقة وإن شمل أمّته معنى. قوله: (لن تقرأ حرفا إلخ) الحرف واحد الحروف المعروفة، ويكون بمعنى الكلمة وكل محتمل هنا وضمير أعطيته راجع له وقيل إنه راجع لما وعده أي أعطيت ما وعدته من الثواب، وقيل إنه راجع للنور الشامل للنورين، وما قيل من أنّ المراد أعطيت ثوابا لأجل قراءة ذلك الحرف سوى ثواب كلماتها وثواب المجموع المؤلف منها أو المراد أعطيت به ما لا يحصيه إلّا اللّه، أو لن تدعو بحرف منها وفيه دعاء كاهدنا إلّا أجبت، أو المراد أعطيت ذلك الحرف بأن تتصرف به فيما تشاء، لأنّ الملك مظهر الأسماء ومتصرف الحروف العالية التي هي الملائكة لا يدفع ما أورد عليه من أنّ ما ذكر مشترك بينه وبين سائر القرآن الكريم، وإن تشبث به ذلك القائل بزعمه. قوله: (وعن حذيفة بن اليمان «2» إلخ) حذيفة بن اليمان العبسي من كبار الصحابة وكان أبوه يسمى حنبلا، فأصاب دما وهرب إلى المدينة فخالف بني عبد الأشهل فسماه قومه اليماني لكونه حالف اليمانية، وهو نسبة إلى اليمن وأصله يمنيّ، فعوض عن إحدى ياءيه ألف ورسم بغير ياء كما هو معروف في علم الرسم وكان يقال له صاحب السرّ لقوله حدّثني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عما كان، وما هو كائن إلى يوم القيامة ومات بالمدائن في ست وثلاثين، وكان عمر رضي اللّه عنه استعمله عليها، وهذا الحديث أسنده الثعلبي، وقال العراقي: إنه موضوع. وقيل: إنه ضعيف. والمعنى أنّ من الناس من يبعث عليه بشؤم معاصيه الموجبة للعقاب عذاب، ثم يؤخر عنهم ببركة قراءة صبيانهم ما
(1) أخرجه البخاري 6607 وأحمد 5/ 331 و335 من حديث سهل بن سعد الساعدي مطوّلا.
وأخرجه ابن ماجه 4199 وابن حبان 339 من حديث معاوية.
(2) قال ابن حجر في تخريج الكشاف 1/ 19: أخرجه الثعلبي من رواية أبي معاوية عن أبي مالك الأشجعي عن ربعي عنه إلا أن من دون أبي معاوية من لا يحتج به.
وله شاهد من مسند الدارمي عن ثابت بن عجلان قال: كان يقال إن اللّه ليريد العذاب بأهل الأرض فإذا سمع تعليم الصبيان بالحكمة صرف ذلك عنهم. يعني بالحكمة القرآن اه.