عناية القاضي وكفاية الراضي، ج 6، ص: 128
دون العطف إذ لو كان للعطف لكان المعطوف فاصلا بين إبعاض المعطوف عليه، ولذلك قيل لأنّ حذف حرف العطف مع المعطوف تكلف وقوله أو على الحال من الضمير في له هذا ما اختاره أبو البقاء وفيه وجوه أخر مفصلة في الدرّ المصون ولا يرد عليه ما في الكشف من أنه ركيك إذ المعنى حينئذ ولم يجعل له عوجا حال كونه مستقيما بناء على ما فسره به المصنف رحمه اللّه، إذ محصله أنه صانه عن الخلل في اللفظ والمعنى حال كونه لا إفراط فيه ولا تفريط وقس عليه الوجهين الآخرين، نعم: ما في الكشف بناء على ما فسره الزمخشريّ فدفعه كما في الدر المصون أنه حال مؤكدة كما في قوله: وليتم مدبرين وتبعه بعض المتأخرين، فلا وجه لما قيل إنه لا حاجة إليه، وقد قيل عليه أيضا أنّ التأكيد يفيد أصل الصحة، وأمّا دفع الركاكة بالكلية فالإنصاف أنه لا يفيده إذ الذوق يشهد بأنّ قولك: ولم يجعل له عوجا [سورة الكهف، الآية: 1] حالة كونه مستقيما ركيك والتأكيد لا يكسوه حسنا يليق بالبلاغة القرآنية، وفيه بحث. قوله: (على أنّ الواو في ولم يجعل للحال) يعني على تقدير كونه حالا من الكتاب لما يلزمه من الفصل بين أبعاض المعطوف عليه بالمعطوف لأنّ الحال على هذا بمنزلة جزء منها، وقريب منه ما قيل إنه عطف على الصلة قبل تمامها وفي المغني أنّ قياس قول الفارسي في الخبر أنه لا يتعدّد مختلفا بالإفراد والجملة أن يكون الحال كذلك فعلى هذا ينبغي أنّ الواو للاعتراض وهو غير وارد إذ ما ذكره الفارسيّ خلاف مذهب الجمهور مع أنه قياس مع الفارق، فلا يسمع وجعل الواو بعضا منها لأنه قيد لها من متمماتها ولم يقل إبعاض الصلة كما في الكشاف إشارة إلى عدم الاختصاص بها. قوله: (ولذلك قيل فيه تقديم وتأخير) من جعله في نية التأخير كالواحدي وابن عطية والطبريّ جعل قوله: ولم يجعل له عوجا اعتراضا لا حالا كما يوهمه كلام المصنف رحمه اللّه وارتضاه في البحر، ورواه الطبريّ عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، فإن قلت إذا كان هذا منقولا عن ابن عباس وناهيك به جلالة ومعرفة بدقائق اللسان فما وجهه، قلت: ذكر السمين في غير هذه السورة أن ابن عباس حيث وقعت جملة معترضة في النظم بجعلها مقدّمة من تأخير، ووجهه أنها وقعت بين لفظين مرتبطين فهي في قوّة الخروج من بينهما فلما كان قيما يفيد استقامة ذاتية أو تابعة لكونه صفة مشبهة أو صيغة مبالغة وما من شيء كذلك إلا وقد يتوهم فيه أدنى عوج ذكر قوله: ولم يجعل الخ للاحتراس وقدّم للاهتمام كما في قوله:
ألا يا أسلمي يا دارميّ على البلى ... ولا زال منهلا بجرعائك القطر
فالدعاء لها بالسلامة من عيب الغيث أو لا أحسن من قوله:
فسقي ديارك غير مفسدها ... صوب الحياء وديمة تهمي ...
كما أفاده العسكريّ من متقدّمي علماء البلاغة، فلا يرد قول الرازي: ولم يجعل له عوجا يدل على كونه مكملا في ذاته، وقوله: قيما يدل على كونه مكملا لغيره فثبت بالبرهان العقلي أنّ الترتيب الصحيح كما ذكره اللّه تعالى، وإن ما ذكروه من التقديم والتأخير فاسد يمتنع العقل