عناية القاضي وكفاية الراضي، ج 6، ص: 129
قيل فيه تقديم وتأخير وقرىء قيما لينذر بأسا شديدا أي لينذر الذين كفروا عذابا شديدا فحذف المفعول الأوّل اكتفاء بدلالة القرينة واقتصارا على الغرض المسوق إليه. من لدنه صادرا من عنده، وقرأ أبو بكر بإسكان الدال إسكان الباء، من سبع مع الإشمام ليدل على أصله وكسر النون لالتقاء الساكنين وكسر الهاء للاتباع ويبشر المؤمنين الذين يعملون من الذهاب إليه. قوله: (وقرئ قيما) أي بكسر القاف وفتح الياء المخففة وهي قراءة أبان بن تغلب وقد تقدّم تفصيل الكلام فيها، وقوله: فحذف المفعول الأوّل اكتفاء بدلالة القرينة أي بمقابلته بالذين آمنوا، وأورد عليه أن مقابلته بالمؤمنين الصالحين يقتضي شمولاه للعصاة، لكن كون المراد من البأس الشديد العذاب الذي بلغ الغاية يقتضي تخصيصه بالكافرين وتبعه بعض المتأخرين لكنه قال: لا اقتضاء لما ذكر للتخصيص إذ كل عذاب للّه شديد، وتعقبه بعضهم بأن المراد بالبأس الشديد العذاب البالغ إلى الغاية وهو مخصوص بالكفار وهو مصادرة (وعندي) أن هذا من عدم الوقوف على مراده فإنه ليس في كلامه ما يدل على أنه أشدّ العذاب فالظاهر أن الشيخين إنما اختارا هذا بناء على أن المهم من نزول الكتاب هو الإنذار بعذاب اللّه بقطع النظر عن المنذر وأنه لتحقق عذابه وهلاكه ليس بشيء يذكر، ولذا قال: اقتصارا دون اختصارا وأن المراد بالقرينة التصريح بإنذار المشركين المنكرين للكتاب وإنزاله كما صرّح به في الكشاف لا ما يقابلهم كما فهموه، فلا يكون تكرارا بل احتباكا بديعا، ولذا حسن عطفه فإن ذكرهم بعد الامتنان بإنزال القرآن يقتضي ذكر من آمن به ومن لم يؤمن تنصيصا وإن الذين آمنوا وعملوا الصالحات صفة مادحة لهم فتدبر. قوله: (صادرا من عنده) إشارة إلى أنه صفة وأن لدن بمعنى عند وإن فرق بينهما، وقوله: إسكان الباء من سبع بالنصب على المصدرية أي كإسكان الباء المضمومة من سبع للتخفيف كما يسكن ما كان على فعل كذلك كعضد وهو مطرد. قوله: (مع الإشمام ليدل على أصله) أي مع إشمام الدال فقط ولذا أخره عن المثال فمن قال فيهما لم يصب، وهذا ما قرّره القراء لكن استشكله في الدر المصون وغيره بأن الإشمام وهو الإشارة إلى الحركة بضم الشفتين مع انفراج بينهما إنما يتحقق في الوقف على الآخر، كما قرّره النحاة وكونه في الوسط كما هنا لا يتصوّر، ولذا قيل: إنه يؤتى به هنا بعد الوقف على الهاء، ودفع الاعتراض بأنه لا يدل حينئذ على حركة الدال بأنه متعين إذ ليس في الكلمة ما يصلح أن يشار إلى حركته غيرها ولا يخفى ما فيه والذي يحسم مادّة الأشكال ما مرّ في سورة يوسف من أن الإشمام له معان أربعة: منها تضعيف الصوت بالحركة الفاصلة بين الحرفين فهو إخفاء لها، وقال الداني أنه هو المراد هنا، وهو الصواب وبه صرّح ابن جني في المحتسب، والعجب من المعرب أنه بعد ما نقله ثمة قال هنا ما قال، وهو مراد شراح الشاطبية كالجعبريّ وغيره، فمن قال إنها قراءة متواترة نقلها الجعبري وغيره فلا وجه لإنكارها لم يأت بشيء مع أن التحقيق أن الأداء غير متواتر وهذا مما لامرية فيه، وبهذا علم ما في كلام المصنف رحمه اللّه فتدبر.
قوله: (وكسر النون) بالجرّ معطوف على إسكان الدال وكذا ما بعده، والحاصل أن أبا بكر عن