عناية القاضي وكفاية الراضي، ج 6، ص: 130
الصالحات أن لهم أجرا حسنا هو الجنة
ماكثين فيه في الأجر أبدا بلا انقطاع
وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا خصهم بالذكر وكرّر الإنذار متعلقا بهم استعطافا لكفرهم وإنما لم يذكر المنذر به استغناء بتقدّم ذكره
ما لهم به من علم أي بالولد أو باتخاذه أو بالقول والمعنى أنهم يقولونه عن جهل مفرط وتوهم كاذب أو تقليد لما سمعوه من أوائلهم من غير علم بالمعنى الذي أرادوا به فإنهم كانوا يطلقون الأب والابن بمعنى المؤثر والأثر، أو باللّه إذ لو علموه لما جوّزوا نسبة الاتخاذ إليه ولا لآبائهم الذين تقوّلوه عاصم قرأ بسكون الدال والإشمام كما مرّ تحقيقه، والباقون بضم الدال ويسكنون ويضمون الهاء على قواعدهم فيها فابن كثير يصلها بواو وغيره لا يصلها، ووجه قراءة أبي بكر أنه كسر النون لالتقاء شبه الساكنين. قوله: (هو الجنة) إنما فسره بها لقوله: ماكثين فيه ولوقوعه في مقابلة العذاب ولما فيها من النعيم المقيم والثواب العظيم، ولكون ذكرها في قوّة ذكره اقتصر عليها ولذا قال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم للإعرابيّ: حولها ندندن «1» فلا حاجة إلى ضمه لها كما أنه لا وجه لتفسيره به بناء على ما توهم من أنّ الإيمان يكفي في التبشير بها وقوله في الأجر أي الجنة.
قوله: (خصهم بالذكر) الظاهر أن مراده أنّ ما ذكر عبارة عن مطلق الكفرة الذي قدر مفعولا للأوّل بقرينة ما بعده من قوله: لعلك الخ لأنّ هؤلاء غير قائلين بالتبني، ووجه التخصيص استعظام كفر هؤلاء، وقيل المراد أنه ذكره مرّة أخرى متعلقا بالمثبتين للولد منهم لا على العموم كما في الأوّل فخصهم بالإنذار بعدما عممه للجميع استعظاما لكفرهم لكونه تخصيصا بعد تعميم فتدبر. قوله: (أي بالولد الخ) ذكر وجوها في مرجع الضمير المجرور بالباء فالأوّل أنه راجع للولد وقدّمه لظهوره ومعنى عدم علمهم به أنه محال ليس مما يعلم، والثاني أنه راجع إلى الاتخاذ الذي في ضمن الفعل كقوله: اعدلوا هو في نسخة بالواو وبدل أو فيكون مع ما قبله وجها واحدا وقوله بالقول المفهوم من قالوا أي ليس قولهم هذا ناشئا عن علم وتفكر ونظر فيما يجوز عليه تعالى وما يمتنع، وقوله: والمعنى أنهم يقولونه الخ ناظر إلى الأوّلين، وقوله:
أو تقليد ناظر إلى الثالث، وفي بعض النسخ والمعنى لأنهم يقولونه الخ يعني أنّ مالهم به الخ في معنى التعليل، وعلى الأوّل هو في موضع الحال أي قالوه جاهلين بما ذكر أو باستحالته، وقوله: من غير علم بالمعنى الذي أرادوا به فإنهم كانوا يطلقون الأب والابن بمعنى المؤثر، والأثر وكان ذلك من لغتهم أو جائزا في شرعهم، وقوله: أو باللّه عطف على قوله: بالولد، وقوله: إذ لو علموا الخ تعليل للأخير أو للجميع، وقوله: لما جوّزوا الخ إشارة إلى استحالته وأنه المراد من نفي العلم لا الصورة الذهنية. قوله: (الذين تقوّلوه بمعنى التبني) أي الذين
(1) هو بعض حديث أخرجه أبو داود 792، وابن ماجه 910 و3847 وأحمد 4/ 474، وابن حيان 868 كلهم من حديث أبي هريرة.
قال البوصيري في الزوائد: ورقة 60/ 1: إسناده صحيح ورجاله ثقات اهـ وهو كما قال.