عناية القاضي وكفاية الراضي، ج 6، ص: 266
صمتا وقد قرىء به أو صياما وكانوا لا يتكلمون في صيامهم فلن أكلم اليوم إنسيا بعد أن أخبرتكم بنذري، وإنما أكلم الملائكة وأناجي ربي وقيل: أخبرتهم بنذرها بالإشارة، وأمرها بذلك لكراهة المجادلة والاكتفاء بكلام عيسى عليه الصلاة والسّلام فإنه قاطع في قطع الطاعن
فأتت به أي مع ولدها قومها راجعة إليهم بعدما طهرت من النفاس تحمله حاملة إياه قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا أي بديعا منكرا من فري الجلد لأنه يبدل منها ولم يقل والياء لأنه لا يختص بها. قوله: (صمتا) فالمراد به الإمساك مطلقا وهو أصل معناه أو هو مجاز عنه والقرينة قوله: فلن أكلم اليوم الخ وعليه يظهر التفريع، وقوله:
وكانوا لا يتكلمون في صيامهم وكان ذلك قربة في دينهم فيصح نذره، وقد نهى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عنه فهو منسوخ في شرعنا كما ذكره الجصاص في كتاب الأحكام وقد ورد في الحديث كما رواه أبو داود لا يتم بعد احتلام ولا صمت يوم إلى الليل «1» ، وفي شرح البخاريّ لابن حجر عن ابن قدامة أنه ليس من شريعة الإسلام، وظاهر الإخبار تحريمه فإن نذره لا يلزمه الوفاء به ولا خلاف فيه بين الشافعية والحنفية لما فيه من التضييق، وليس من شرعنا وإن كان قربة في شرع من قبلنا وعليه أيضا فالتفريع ظاهر. قوله: (بعد أن أخبرتكم بنذري) لدفع ما يتوهم من أنها إذا أنذرت عدم الكلام يكون قولها هذا مبطلا له، وحاصله أنها نذرت أن لا تكلم أحدا بغير هذا الإخبار فلا يكون مبطلا له لأنه ليس بمنذور، وقولها: إني نذرت ليس بإنشاء للنذر بل إخبار عن نذر وقع منها ولم تعين زمانه وزمانه كان بعد التكلم بهذا، ويحتمل أنّ قوله: فلن أكلم اليوم انسيا تفسير للنذر بذكر صيغته فلا وجه لما قيل إنّ الظاهر أنّ هذا الكلام إنشاء للنذر، فما ذكره المصنف لكونه في صورة الخبر أو لتضمنه له وكذا ما قيل إنه من تتمة النذر أو هو مستثنى منه عقلا لأنه ضروريّ، وقوله: أكلم الملائكة من مفهوم قوله: إنسيا دون أحدا، وقوله: مع ولدها إشارة إلى أنّ الباء للمصاحبة ولو جعلت للتعدية صح أيضا وقوله: حاملة إياه إشارة إلى أنّ الجملة حال من ضمير مريم أو عيسى، ولذا فصل الضمير ليتحقق تنكيره بخلاف ما لو قال حاملته. قوله: (بديعا منكرا من فرى الجلد) يعني أنّ أصل حقيقة الفرى قطع الأديم والجلد مطلقا، ثم فرق بين قطع الإفساد والإصلاح ثم استعير لفعل ما لم يسبق له، ولذا فسره المصنف بقوله: بديعا وأمّا كونه منكرا فظيعا فمما فعل، واختار الثلاثيّ لأنّ فعيلا إنما يصاغ قياسا منه، ومن لم يحققه قال الأولى أن يقول: من أفرى لما في الصحاح من أنّ أفراه معناه قطعه على جهة الإفساد وفراه قطعه على جهة الصلاح ثم أجاب تارة بأن فرى يرد للإفساد
(1) أخرجه أبو داود 2873 وعنه ابن عساكر في تاريخ دمشق 9/ 257/ 2 والطحاوي في المشكل 1/ 280 والطبراني في الصغير كما في المجمع 4/ 334 كلهم من حديث علي بن أبي طالب. قال الألباني في الإرواء رقم 1244 هذا إسناد فيه ثلاث علل: 1 و2 عبد اللّه بن خالد بن سعيد وأبوه لا يعرفان.
3 -يحيى بن محمد المديني وهو الجاري قال الحافظ صدوق يخطىء اهـ كلامه.