الصفحة 3512 من 4427

عناية القاضي وكفاية الراضي، ج 6، ص: 265

الشتاء قدر أن يحبلها من غير فحل، وأنه ليس ببدع من شأنها مع ما فيه من الشراب والطعام ولذلك رتب عليه الأمرين، فقال:

فكلى واشربى أي من الرطب وماء السريّ أو من الرطب وعصيره وقرى عينا وطيبي نفسك وارفضي عنها ما أحزنك وقرىء وقري بالكسر، وهو لغة نجد واشتقاقه من القرار فإنّ المعين إذا رأت ما يسرّ النفس سكنت إليه من النظر إلى غيره أو من القرّ فإن دمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارّة ولذلك يقال قرّة العين للمحبوب، وسخنتها للمكروه فإما ترين من البشر أحدا فإن ترى آدميا وقرىء ترئنّ على لغة من يقول: لبأت بالحج لتآخ بين الهمزة وحرف اللين فقولى إنى نذرت للرحمن صوما بالمعجزة معناها الغوي وهي الأمر المعجز للبشر لكونه خارقا للعادة مطلقا فيصدق على الكرامة والإرهاص أو هي مجاز عرفيّ لذلك، وقوله: فجعل اللّه له ذكر الضمير باعتبار أنها جذع لأنها إنما تكون نخلة إذا كانت تامة وإلا فهي جذع من الخشب اليابس والمنبهة معطوفة على الدالة، وعليه حال من مفعول رآها والضمير للشأن، وعلى أنّ الخ متعلق بالمنبهة وقوله: وأنه أي الحبل من غير فحل، وقوله: مع ما فيه أي فيما ذكر من تهيئة شرابها وطعامها حتى لا تتألم بفقدهما أيضا لكن ذلك ليس مقصودا بالذات. قوله: (ولذلك رتب عليه الأمرين) الإشارة تحتمل أن تكون لما فيه أي لما في الأمر الذي سلاها به من ذكر الطعام والشراب رتب عليه الأمرين يعني المأكول والمشروب يعني بالفاء، ويحتمل أنّ الإشارة لجميع ما تقدّم أي ولأنه سلاها تسلية أزالت حزنها أمرها بالأكل والشرب لأنّ الحزين لا يتفرغ لمثله كما نبه عليه بقوله:

وقرّى عينا، وقدّم الماء أوّلا وأخر الشرب هنا لأنّ الماء الجاري أظهر في إزالة الحزن، وأصل في النفع عام نفعه للتنظيف ونحوه وحيث ذكره للشرب أخره لأنه إنما يكون بعده ولذا قدّم الأكل على الشرب حيث وقع ويحتمل أنه قدّم الأكل ليجاور ما يشاكله، وهو الرطب، وقوله:

أو من الرطب وعصيره قيل: هو إذا أريد بالسريّ عيسى عليه الصلاة والسّلام وليس بمتعين.

قوله: (وطيبي نفسك) طيب النفس عبارة عن الاطمئنان وعدم القلق والحزن، فقوله: وارفضي أي اتركي تفسير له يعني أنّ قرّة العين كناية عن السرور ودفع الحزن وهو إمّا من القرار والسكون أو من القرّ بمعنى البرد، ويشهد للأوّل قوله:

تدور أعينهم من الحزن

وللثاني قولهم: قرة العين وسخنتها وذكروا في وجه برودة دمعة السرور وسخونة غيرها أنّ سبب البكاء ارتفاع أبخرة ينعصر بها ما في الدماغ من الرطوبات حتى تسيل وتلك الأبخرة تكون حرارتها في حالة الحزن أشدّ لعدم انتشارها كما في السرور الظاهر على البشرة، وقوله:

وهو لغة نجد أي فإنهم يقولونه بفتح عين الماضي وكسر عين المضارع وغيرهم يكسر عين الماضي ويفتح عين المضارع من القرّ بمعنى السكون أو البرد، وقوله: لبأت بالحج أصله لبيت من التلبية وهي قولك: لبيك اللهمّ لبيك فأبدلت الياء همزة والمؤاخاة بين الهمزة وحرف للين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت