عناية القاضي وكفاية الراضي، ج 6، ص: 283
وجهه للّه وأخلص نفسه عما سواه وقرأ الكوفيون بالفتح على أن اللّه أخلصه وكان رسولا نبيا أرسله اللّه إلى الخلق فأنبأهم عنه، ولذلك قدّم رسولا مع أنه أخص وأعلى.
وناديناه من جانب الطور الأيمن من ناحيته اليمنى من اليمين وهي التي تلي يمين موسى، أو من جانبه الميمون من اليمن بأن تمثل له الكلام من تلك الجهة وقربناه تقريب تشريف شبهه بمن الافتخار والثناء الحسن فأطلق اللسان على ما يوجد به من الكلمات والحروف كما تطلق اليد على العطية بعلاقة السببية، وأحقاء جمع حقيق كأصدقاء وصديق وهو راجع إلى إضافته لأنه لا يكون حقيقا بذلك إلا إذا كان صادقا كما أنّ ما بعده راجع إلى توصيفه بالعلو على طريق اللف والنشر وإن احتمل رجوعه للأوّل لأنّ ما كان صادقا يشيع ويثبت بخلاف الباطل فإنه مضمحل منسيّ، وقوله: لا تخفى الخ إشارة إلى أنّ العلو مستعار لما ذكر لأن ما ارتفع مكانه ظهر كأنه نار على علم، وقوله: أخلص عبادته إشارة إلى مفعوله المقدّر بقرينة ما قبله ليفيد معنى التوحيد وكذا في الوجه الآخر وهو مغاير له معنى لتغاير مفعوليهما، ومعنى كون اللّه أخلصه أنه خلقه خالصا عما مرّ. قوله: (أرسله اللّه تعالى) إشارة إلى أنّ الرسول بمعنى المرسل، وقوله: فأنبأهم أي أخبرهم إشارة إلى أنّ النبيّ بمعنى المنبئ عن اللّه بالتوحيد والشرائع وأن أصله الهمز فأبدلت في النبيّ والنبوّة، ولو قيل هنا إنه من النبوة بدليل قوله: مكانا عليا والمعنى رفيع القدر على غيره من الرسل عليهم الصلاة والسّلام ليكون بمعنى آخر أخص هنا كان أظهر كما نقله الطيبي عن بعض العلماء، وقوله: ولذلك أي لكونه بمعنى المنبئ عن اللّه قدّم الخ على وفق ما في الواقع وإن كان الرسول أخص منه إذ كل نبيّ رسول ولا عكس ولذا كان أعلى لاستلزام الرسالة النبوّة وذكر العام بعد الخاص لا يفيد ولذا يقال: عالم نحرير دون العكس، ويحتمل أن يريد أنّ المراد بالرسول والنبيّ هنا معناهما اللغوي، وهو المرسل من اللّه والمنبئ عن اللّه وليس كل مرسل ينبئ لأنه قد يرسل بعطية ومكتوب فلذا قدّم وإن كان في موضع آخر يراد به معنى أخص من هذا فينبغي تأخيره فلا يرد عليه أنّ كونه أخص مقتض لتأخيره أو أنه غير تامّ في التعليل فتأمّل. قوله: (من ناحيته اليمنى من اليمين الخ) إشارة إلى أنه إذا كان المراد من اليمين المقابل لليسار فالمراد به يمين موسى عليه الصلاة والسّلام إذ الجبل لا ميمنة له ولا ميسرة وأمّا إذا كان من اليمن وهو البركة فظاهر، وهو صفة الجانب وجوّز فيه الزمخشريّ على الثاني أن يكون صفة الجانب أو الطور، وتركه المصنف رحمه اللّه ليتوافق الوجهان. قوله: (بأن تمثل له الكلام من تلك الجهة) أي جهة اليمين أو الجهة الميمونة فهو راجع إلى الوجهين وقال: تمثل إشارة إلى أنّ الكلام اللفظي مثال للكلام النفسي فلا يلزم من حدوث المثال حدوث الممثل كما لا يلزم من تمثيل جبريل عليه الصلاة والسّلام بصورة دحية رضي اللّه عنه حدوثه وقت التمثيل، ومن أهل الحق من ذهب إلى أنّ الذي سمعه موسى عليه الصلاة والسّلام كان الكلام القديم بلا حرف ولا صوت ولا جهة كما قيل:
إذا ما بدت ليلى فكلي أعين ... وإن حدّثوا عنها فكلي مسامع ...