الصفحة 3529 من 4427

عناية القاضي وكفاية الراضي، ج 6، ص: 282

تقريره في سورة التوبة. إنه كان بى حفيا بليغا في البر والألطاف

وأعتزلكم وما تدعون من دون الله بالمهاجرة بديني وأدعوا ربى وأعبده وحده عسى ألا أكون بدعاء ربى شقيا خائبا ضائع السعي مثلكم في دعاء آلهتكم وفي تصدير الكلام بعسى التواضع وهضم النفس والتنبيه على أنّ الإجابة والإثابة تفضل غير واجبتين وأنّ ملاك الأمر خاتمته وهو غيب

فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله بالهجرة إلى الشأم وهبنا له إسحاق ويعقوب بدل من فارقهم من الكفرة قيل: إنه لما قصد الشأم أتى أوّلا حرّان وتزوّج بسارة وولدت له إسحاق وولد منه يعقوب ولعل تخصيصهما بالذكر لأنهما شجرتا الأنبياء أو لأنه أراد أن يذكر إسماعيل بفضله على الانفراد وكلا جعلنا نبيا وكلا منها أو منهم

ووهبنا لهم من رحمتنا النبوّة والأموال والأولاد وجعلنا لهم لسان صدق عليا يفتخر بهم الناس ويثنون عليهم استجابة لدعوته واجعل لي لسان صدق في الآخرين والمراد باللسان ما يوجد به ولسان العرب لغتهم، وإضافته إلى الصدق وتوصيفه بالعلو للدلالة على أنهم أحقاء بما يثنون عليهم وأن محامدهم لا تخفى على تباعد الإعصار وتحوّل الدول وتبدّل الملل

واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا موحدا أخلص عبادته عن الشرك والرياء أو أسلم إذا وعده الإيمان فإنه في الحقيقة طلب لإيمانه بطريق الاقتضاء إلا أنّ الاستثناء يخالف الشق الثاني وقد عرفته، وأما كون المذكور في النظم الوعد أو الاستغفار فلا وجه له لأنه إذا امتنع استغفاره امتنع وعده إذ النبيّ المعصوم لا يعد بما لا يجوز ولذا قال في الكشاف كيف جاز أن يستغفر للكافر أو يعده فلا حاجة إلى ما تكلفه من حديث الكناية، فتأمل. قوله: (بليغا في البرّ والألطاف) المبالغة من صيغة فعيل والبر من مادّته، يقال: حفي به إذا اعتنى بإكرامه كما قاله الراغب والألطاف بفتح الهمزة جمع لطف بمعنى الرأفة أو بكسرها مصدر لطف به إذا بره، وقوله: بالمهاجرة بديني الباء فيه تحتمل التعدية والسببية والمباعدة بالبدن أو بالقلب والاعتقاد والظاهر الأوّل، وقوله: وأعبده وحده الوحدة تفهم من اجتناب غيره من المعبودات وفسر الدعاء بالعبادة لقوله: وما تعبدون من دون اللّه ويجوز أن يراد به الدعاء مطلقا أو ما حكاه في سورة الشعراء، وهو قوله: رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين وقوله: مثلكم في دعاء آلهتكم إشارة إلى أنّ فيه تعريضا بشقاوتهم وهو النكتة في التعبير به، وقوله: وأنّ ملاك الأمر خاتمته من السعادة والشقاوة وهي غير معلومة وإن كان الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام مأموني العاقبة، وغيب بمعنى غائب أو مغيب، وقوله: منه أي من إسحق، والشجرة بمعنى الأصل هنا وقوله: أو لأنه أراد أن يذكر إسمعيل الخ، والنكتة لا يلم اطرادها فلا يرد عليه أنهما خصصا حيث لم يذكر إسمعيل في العنكبوت كما قيل، وقوله: منهما أي من إسحاق ويعقوب، أو منهم هما وإبراهيم عليهم الصلاة والسّلام وفسر الرحمة بما ذكر لأنه المأثور عن ابن عباس رضي اللّه عنهما والكلبيّ. قوله: (يفتخر بهم الناس ويثنون عليهم) يعني المراد باللسان كلام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت