عناية القاضي وكفاية الراضي، ج 6، ص: 285
الذبح فقال: ستجدني إن شاء اللّه من الصابرين فوقي وكان رسولا نبيا يدل على أنّ الرسول لا يلزم أن يكون صاحب شريعة فإنّ أولاد إبراهيم كانوا على شريعته.
وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة اشتغالا بالأهمّ وهو أن يقبل الرجل على نفسه ومن هو أقرب الناس إليه بالتكميل قال اللّه تعالى: وأنذر عشيرتك الأقربين وأمر أهلك بالصلاة قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقيل: أهله أمّته فإنّ الأنبياء آباء الأمم وكان عند ربه مرضيا لاستقامة أقواله وأفعاله
واذكر في الكتاب إدريس وهو سبط شيث وجدّ أبي نوح عليهم السّلام واسمه أخنوخ واشتقاق إدريس من الدرس يردّه منع صرفه نعم لا يبعد أن يكون معناه في تلك اللغة قريبا من ذلك فلقب به لكثرة درسه إذ روي أنه تعالى أنزل عليه ثلاثين صحيفة، وأنه أوّل من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب إنه كان صديقا نبيا
ورفعناه مكانا عليا يعني فصدّق وعده ووفى به، وهذا أعظم ما يتصوّر فيه وناهيك بمعنى يكفيك في صدقه هذا فكيف ومعه أمور أخر. قوله: (يدل على أنّ الرسول لا يلزم أن يكون صاحب شريعة) أي مستقلة مأمورا بتبليغها لما ذكر وقد اشتهر خلافه بل اشترط بعضهم فيه أن يكون صاحب كتاب أيضا فهو مبنيّ على الأغلب فيه لا أنه أمر لام، وما قيل إنّ المراد بكونه صاحب شريعة أن يكون له شريعة بالنسبة إلى المبعوث إليهم وإسمعيل صلّى اللّه عليه وسلّم، كذلك لأنه بعث إلى جرهم بشريعة أبيه ولم يبعث إبراهيم عليه الصلاة والسّلام إليهم لا يخفى أنه لا يتم به الجواب إلا بضميمة أخرى فتأمّل. قوله: (اشتغالا بالأهمّ) يعني ذكر الأهل ليس للتخصيص بل لأنه الأهم، وقوله: على نفسه أدرجه في الأهل لاستلزام إصلاح الغير لإصلاح النفس أو المراد بالأهل أمّة الإجابة لكون النبيّ بمنزلة الأب لأمّته فلا ينافي هذا قوله أنه ليس من أهلك بل يؤيده، والسبط ولد الولد وأخنوخ بضم الهمزة وفتحها. قوله: (واشتقاق إدريس من الدرس يردّه الخ) لأنه لو كان مشتقا كان عربيا وهو أعجمي لمنع صرفه بالاتفاق وجريان الاشتقاق في غير العربي مما لم يقل به أحد، وقوله: قريبا من ذلك أي من ذلك المعنى لا من إدريس المشتق من الدراسة، وقوله:
يعني شرف النبوّة فالعلوّ معنويّ قيل: والثاني أقرب لأنّ الرفعة المقترنة بالمكان لا تكون معنوية، وفيه نظر لأنه ورد مثله بل ما هو أظهر منه كقوله:
وكن في مكان إذا ما سقطت ... تقوم ورجلك في عافيه ...
والرفع إلى الجنة بجسده بناء على أنه حيّ الآن فيها، وما ذكره من الاختلاف في السماء لاختلاف الرواية في حديث المعراج ورؤية الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام لكن كونه في الرابعة في الصحيحين «1» . قوله: (بيان للموصول) وهو الذين أنعم اللّه عليهم لأنّ جميع الأنبياء عليهم
(1) حديث الإسراء تقدم تخريجه فيما سبق وهو عند البخاري 3207 و3887 ومسلم 164 والنسائي 1/ 217، وأحمد 4/ 208 و210، والطبراني في الكبير 19/ 599 وابن حبان 48 من حديث أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة.