عناية القاضي وكفاية الراضي، ج 6، ص: 286
شرف النبوّة والزلفى عند اللّه، وقيل: الجنة، وقيل: السماء السادسة أو الرابعة
أولئك إشارة إلى المذكورين في السورة من زكريا إلى إدريس الذين أنعم الله عليهم بأنواع النعم الدينية والدنيوية من النبيين بيان للموصول من ذرية آدم بدل منه بإعادة الجار، ويجوز أن تكون من فيه للتبعيض لأنّ المنعم عليهم أعم من الأنبياء وأخص من الذريّة. وممن الصلاة والسّلام منعم عليهم فلو جعلت تبعيضية لزم أن يكون المنعم عليهم بعض الأنبياء وأن لا يكون البعض الآخر منهم منعما عليه، فإن قلت المشار إليه بأولئك الأنبياء المذكورون سابقا عليهم الصلاة والسّلام وهم بعض النبيين فالذين أنعم عليهم بعضهم فصح جعل من للتبعيض، قلت هذا إذا كان تعريف الذين للعهد والوجه أنه للجنس والعموم على أن المعنى أولئك بعض المنعم عليهم فلا بدّ من كونها للبيان لئلا يلزم الفساد كذا قيل، وفيه بحث فإن الظاهر أن يقال:
الذين أنعم اللّه عليهم إن أريد به النعم المعهودة المذكورة هنا فالمحمول والموضوع مخصوص بهؤلاء فهم بعض النبيين فتكون من تبعيضية بدون تقدير كما ذهب إليه البعض ولا يرد عليه أنه تقرّر في الميزان أن المحمول يراد به المفهوم ولا شك في عمومه كما قيل لأن عموم المفهوم في نفسه ومن حيث هو في الذهن لا ينافي أن يقصد به أمر خاص في الخارج، وإلا لزم أن لا يصح وقوع المعرف بأل العهدية خبرا كما إذا قلت جاءني رجل فأكرمته وزيد الجائي فهذا غلط أو مغالطة ولا يكون الخبر مساويا نحو الزوج الذي ينقسم بمتساويين وأن لا يقع الجزئيّ الحقيقيّ خبرا نحو هذا زيد والجمهور على جوازه والمانعون لا يقولون إنه لا يقع في كلام البلغاء بل العقلاء بل يؤّلونه بأمر يعم في التصوّر دون الخارج، ثم إن شراح الكشاف قالوا:
إن المشار إليه بأولئك الأنبياء المذكورون لا الكل فوجب أن يحمل التعريف في الخبر على الجنس للمبالغة، كقوله: ذلك الكتاب أو يقدر مضاف أي بعض الذين أنعم الخ ورد الأوّل بأنه يلزمه جعل غيرهم ومن جملتهم نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم كأنهم لم ينعم عليهم وليسوا بأنبياء وهو باطل، وأورد عليه أن القصر فيه إضافيّ بالنسبة إلى الدولة الدنيوية لا حقيقيّ فلا محذور فيه وهو مع ما فيه مناف لتفسير المصنف رحمه اللّه ولكون من بيانية لأن النعم الدنيوية لا تختص بهم مع أن المبتدأ والخبر إذا تعرّفا يتحدان في الما صدق وفي إفادته للحصر كلام في المعاني فيتعين أحد التأويلين فالحق في الجواب أن يقال على إطلاق النعم: إن الحصر بالنسبة إلى غير الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام لأنهم معروفون بكونهم منعما عليهم فتنزل النعم على غير الأنبياء منزلة العدم ولا يتوهم ما ذكر كما لا يتوهم في ذلك الكتاب عدم كمال غيره من الكتاب السماواة أو يقدر بعض، ومن على هذا بيانية فلكل وجهة فتدبر. قوله: (بدل منه بإعادة الجار) يعني ذرّية آدم بدل من النبيين بدل بعض من كل لأن المراد ذرّيته الأنبياء وهي غير شاملة لآدم عليه الصلاة والسّلام ومن بيانية أيضا ولو جعل الجار والمجرور بدلا من الجار والمجرور لم يكن فيه إعادة، وقوله: من فيه للتبعيض أي في من ذرّية آدم لأن المنعم عليه أعم من الأنبياء فالمبين بعض المقدّر وأخص من الذرّية إذ بينهما عموم وخصوص من وجه لشمول المنعم عليه لآدم