عناية القاضي وكفاية الراضي، ج 6، ص: 309
برده
أفرأيت الذى كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا نزلت في العاص بن وائل كان لخباب عليه مال فتقاضاه فقال له: لا حتى تكفر بمحمد فقال: لا واللّه لا أكفر بمحمد حيا ولا ميتا ولا حين بعثت قال: فإذا بعثت جئتني فيكون لي ثم مال وولد فأعطيك ولما كانت الرؤية أقوى سند الإخبار استعمل أرأيت بمعنى الإخبار والفاء على أصلها في التعقيب والمعنى أخبر بقصة هذا الكافر عقيب حديث أولئك وقرأ حمزة والكسائيّ ولدا وهو جمع ولد كأسد في أسد أو لغة فيه كالعرب والعرب
أطلع الغيب أقد بلغ من عظمة شأنه إلى أن ارتقى إلى علم الغيب الذي توحد به الواحد القهار حتى ادّعى أن يؤتى في الآخرة مالا الكفار وكلاهما تتمة لقوله: فليمدد الخ الواقع جوابا عن قولهم: أيّ الفريقين خير، وتحقيقه أن الكفار لما ذكروا الخيرية على زعمهم أتى بها في الجواب مشاكلة مع ما فيه من الوعيد والتهكم بهم فتحصل منه أنّ التفضيل إما للزيادة المطلقة أو لزيادة الثواب في بابه على العقاب في بابه أو يعدّ العقاب خيرا تهكما بهم أو الخيرية في المفضل عليه خيرية مالهم في الدنيا في نظرهم القاصر أو هو للمشاكلة فتنبه له واحفظه لتسلم من الخلط والخبط. قوله: (نزلت في العاص بن وائل الخ) هذا هو الصحيح في كتب الحديث، وقيل: إنها نزلت في الوليد بن المغيرة وخباب بخاء معجمة وباءين موحدتين كشداد صحابيّ معروف ابن الأرت والأرت أفعل من الرتة براء مهملة وتاء مثناة فوقية وهي ثقل في اللسان علم والعاص بن وائل هو أبو عمرو بن العاص وكان من عظماء قريش ولم يوفق للإسلام، وقوله: ولا حين بعثت بفتح التاء خطابا للعاص أي لا أكفر أبدا لا في حال حياتي ولا في حال مماتي ولا في حال بعثك أيها الكافر وأنت معذب يعني أنه مؤمن بثوابه بعد الموت وعقاب الكفرة بعد البعث ولذا ذكر الموت والبعث وفي نسخة حين تبعث بضم التاء الفوقية. قوله: (ولما كانت الرؤية أقوى إلى آخره) يعني أنّ رأى هنا بصرية لا علمية كما ذهب إليه بعض النحاة وتجوّز بها عن المسبب وهو الإخبار فهو مجاز مرسل والاستفهام مجاز عن الأمر به لأنّ المقصود من نحو قولك: ما فعلت أخبرني فهو إنشاء تجوّز به عن إنشاء آخر، كما حققه النحاة وقد مرّ تفصيله وأنه قد يراد به التعجب ومن لم يقف على هذا قال: إرادة معنى الأمر من هذا لا تخلو عن بعد فلو جعل لإنشاء التعجب لكان أظهر فإنه شائع فيه وأما عطف الإنشاء على الخبر فجائز لأنه من عطف القصة على القصة وقوله:
على أصلها أي للتعقيب كما بينه وقوله: بقصة إشارة إلى ما مرّ. قوله: (ولذا) بضم الواو وسكون اللام ورد في كلام العرب مفردا وجمعا كما ذكره المصنف رحمه اللّه وكلاهما صحيح هنا، وقرىء بكسر الواو وسكون اللام أيضا وهو بمعناه. قوله: (أقد بلغ من عظمة الخ) في قوله أقد إشارة إلى أنه بفتح الهمزة الاستفهامية وأصله اطلع فحذفت همزة الوصل تخفيفا واطلع متعد بنفسه تقول اطلع الجبل قال المعرب وليس متعدّيا بعلى كما توهمه بعضهم حتى يكون من الحذف والإيصال لكن في القاموس اطلع عليه فكأنه يتعدّى ولا يتعدى، وعظمة الشأن تستفاد من الطلوع لأنه الظهور على وجه العلو والتملك ولذا اختير هذا التعبير كما في الكشاف،