عناية القاضي وكفاية الراضي، ج 1، ص: 8
من سورة مصاقع الخطباء من العرب العرباء، فلم يجد به قديرا وأفحم من تصدّى لمعارضته الثالث: أنّ الفاء للترتيب الرتبيّ لا الوجوديّ كما في يرحم اللّه المحلقين فالمقصرين لأنّ التنزيل أعلى وأشرف رتبة من التحدّي لأنه من أعظم النعم في هداية المؤمنين ولذا جعل محمودا عليه أو للترتيب في الوجود لكنه بالنسبة إلى إنزال بعض القرآن لكون التحدّي في أثناء التنزيل قاله الفاضل الليثيّ في حواشيه، ثم اعترف ببعده ونوّره بقوله وهو وإن كان بحسب الظاهر بعيدا لكنهم اغتبروا مثله فإنهم ذكروا أنّ المعطوف إذا كان ذا أجزاء تحصل بتمامه في زمان طويل جاز عطفه بالفاء إذا كان أوّل أجزائه متعقبا وجاز عطفه بثم نظرا إلى تمامة، وعلى هذا إذا كان المعطوف عليه كذلك والمعطوف متعقبا لآخره جاز الفاء نظرا إلى آخره وثم نظرا لأوّله كما قرّره التفتازاني في «شرح المفتاح» في قوله: فأصح ثم اختل في الالتفات، وإن ردّه الشريف، فدلّ على أنّ تراخي المعطوف لا يجب أن يكون عن جميع المعطوف عليه بل يجوز أن يكون مجتمعا مع بعض أجزائه متراخيا عن بعض فلا يبعد تجويز مثله في التعقيب والمقصود مجرّد التمثيل لاعتبارهم في الترتيب بين المعطوف والمعطوف عليه بعض الأجزاء، ولا ينافي ذلك الاعتبار تعقيب الأمر الممتدّ المتعقب أوّل أجزائه بالمعطوف عليه، ووصفه بكونه عقيبه لأنه كذلك حقيقة، أو في العرف نظرا إلى عدم تخلل زمان بين زمان وجوده وزمان المعطوف عليه بخلاف ما ذكرنا لأنا ندّعي أنّ ذلك متعارف.
والرابع: أنّ المراد بالقرآن الجنس من حيث الوجود لا المجموع ولا المفهوم الكلي، وهو أقرب إذ به يصح التفريع وعود الضمير بلا تكلف وتأوّل، لكنه لا يخلو عن نظر وكون المتحدّي به أقصر سورة يؤخذ من التنوين في قوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [سورة البقرة، الآية: 23] وقوله من سوره احتراز عن سور غيره من الكتب السماوية، فإن فيها سورا أيضا كما صرّحوا به. قوله: (مصاقع الخطباء) جمع خطيب وهو من يأتي بالخطبة وهي الكلام البليغ المقول على رؤوس الأشهاد وإن لم يكن على الوجه المتعارف الآن، ولا يشترط فيه السجع أيضا كما توهم والمصقع بكسر الميم بزنة منبر البليغ ومن لا يرتج عليه كلامه، والجهير صوته، ومثله لفظا ومعنى مجهر من صقع الديك إذا صاح، أو من الصقع بمعنى الجانب لأنه يأخذ في كل جانب من الكلام، أو من صقعه إذا ضرب صوقعته وهي وسط رأسه، والعرباء كالعاربة الخلص الصريح، وقال ابن قتيبة: العرب العاربة ولد اسماعيل والمتعرّبة غيرهم وهذا معنى آخر غير مراد هنا لأنه للتأكيد من لفظه كليل أليل وظل ظليل كما هو دأبهم إذا أرادوا المبالغة ومن في قوله: من العرب الخ تبعيضية سواء أريد ما هو أعمّ من الفصحاء أو خص بهم بقرينة ما بعده لأن منهم خطيبا وشاعر وغيره وليس خاصا بالخطباء، ويجوز أن تكون بيانية بتأويله بما من شأنه ذلك وقيل هي على الأوّل تبعيضية، وعلى الثاني بيانية. وقيل: الأوجه على التقديرين أن تجعل بيانية لأنّ مصاقع الخطباء أخص من مطلق الفصحاء، ولا يخفى أنّ فيه ما هو غنيّ عن البيان. قوله: (فلم يجد به قديرا) قيل أي لم