فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 613

و رابعا إن مقولة الجابري خطيرة جدا على القرآن و تعطله من داخله ، فهي مع أنها تخالف دين الإسلام بالضرورة ، فإنها تعني أن القرآن محكوم بعلوم و معارف العرب الذين نزل فيهم ، و لا توجد فيه علوم جديدة خارج ما كان يعرفه هؤلاء ، و من ثم فهو يبقى محصورا في المناخ المعرفي الذي نزل فيه ، و غير قادر على مواكبة التطورات العلمية التي حدثت بعده ، حتى قال الجابري: (( فيجب أن لا نلتمس في القرآن و لا في الحديث ما يخرج عن مفهوم العرب من العلوم و المعارف ) )، و هكذا أوجب الجابري علينا ما لم يلزمنا الشرع به ، و ألزمنا برأيه الذي هو تعطيل لدين الإسلام و علومه ، و تقزيم له ، فهي مقولة توصلنا في النهاية إلى تاريخية أركون التي تزعم أن الإسلام وليد ظروفه الزمانية و المكانية ، محكوم بها لا يمكنه تجاوزها ، و ها هو الجابري يطرحها من جديد بطريقته الخاصة الملتوية المبيتة ، رغم وضوح بطلانها و منافاتها لدين الإسلام بالضرورة .

و أما الخطأ الثالث فيتعلق بطرق الاستدلال في القرآن الكريم ، فقد زعم الجابري أن القرآن (( لا يقرر طريقة معينة في الاستدلال ، و إنما يدعو إلى الاعتبار ، و يضرب الأمثال للناس ليُحرك خيالهم و عقولهم ، و ينبهها إلى مسألة معينة ) ) (1) .

و ردا عليه أقول: إن في قوله هذا ما يُشير إلى وجود تناقض و تدليس ، و ذلك أنه قال: إن القرآن لا يقرر طريقة معينة في الاستدلال ، مما قد يعني أن القرآن يقرر أكثر من طريقة في الاستدلال ، لكنه عاد و نفى ذلك ، عندما قرر أن القرآن يدعو إلى الاعتبار و ضرب الأمثال ، و هي وسائل تنبيه لتحريك خيال الناس و عقولهم ، فقوله هذا ينفي وجود طرق استدلال في القرآن ، بعدما كان قوله الأول يحتمل وجود أكثر من طريقة .

(1) بنية العقل العربي ، ص: 448 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت