و منها أن القرآن الكريم دعا إلى استخدام المنهج الاستدلالي التجريبي لدراسة الطبيعة و التاريخ ، كقوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} - سورة العنكبوت/20- ،و {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ } - سورة آل عمران/137-، و (( فل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل ، كان أكثرهم مشركين ) )-سورة الروم/42- ، فالله تعالى دعا الإنسان إلى السير في الأرض و النظر فيها ، و البحث عن الكيفية و المصير معا ، ليُقيم عليه الحجة ، و ليُعرفه بما يجهله من تاريخ الطبيعة و الإنسان معا ، و ليحثه على استغلال الطبيعة التي سخرها له . و لا شك أن هذا السير بما فيه من نظر و بحث و اعتبار و استغلال و استنتاج يتضمن منهجا علميا استدلاليا تجريبيا ، إذ بدونه لا يمكن الوصول إلى ما دعت إليه تلك الآيات و غيرها .
و بذلك يتبين أن ما زعمه الجابري من عدم وجود طرق استدلال في القرآن الكريم ، هو زعم باطل . كما أنه تُوجد في القرآن أيضا وسائل تنبيه للاعتبار و التدبر، على ما قاله الجابري ، لكنها من جهة أخرى هي أيضا كثيرا ما تضمنت طرقا استدلالية عكس ما ادعاه الجابري ، كالأمثال التي ذكرها الله تعالى في كتابه ، و عقّب عليها بقوله: (( و تلك الأمثال نضربها للناس و ما يعقلها إلا العالمون ) )-سورة العنكبوت/43- . فالمثال عندما يُذكر بطريقة صحيحة و في مكانه المناسب ، يكون برهانا و حجة ، و وسيلة استدلال قوية .