و ثانيا إن المفسر للآيات العلمية في القرآن هو مجتهد ، كغيره من المفسرين المجتهدين ، فإن أصاب فله أجران ، و إن أخطأ فله أجر واحد ، و هو في تفسيره لا يربط القرآن بالكشوف الحديثة ، و إنما يُفسره بها حسب اجتهاده ، و لا يترتب عن ذلك أي ضرر على القرآن كنص مقدس محفوظ . فإذا أخطأ ذلك المفسر فهذا ليس كارثة ، و لا حراما ، و ليس جديدا في تاريخ التفسير ، فالمفسرون منذ نزول القرآن إلى يومنا هذا ، فيهم المصيب و فيهم المُخطئ . و الله تعالى هو الذي أمرنا بتدبر كتابه و فهمه و تفجير معانية ، كقوله تعالى: - {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} - سورة النساء/82- و {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} سورة محمد/24-،و من يقرأ القرآن و يجتهد في تدبره و تفسيره ، ليس واجبا عليه أن يُصيب و أن لا يُخطئ ، بل عليه أن يجتهد و الأجر آت بإذن الله .
و أُشير هنا إلى أمر هام جدا ، مفاده أنه لا يمكن أن يحدث تعارض بين حقائق القرآن و حقائق العلم ، فإذا ما حدث ذلك ، فإما أننا أخطأنا في فهم القرآن ، و إما أننا أخطأنا في فهم الحقيقة العلمية ، و إما أن ما حسبناه حقيقة علمية هو ليس كذلك ، و إنما هو مجرد نظرية لم يقم الدليل العلمي القاطع على صدقها ، و إما أننا أخطأنا في فهم الأمرين معا ، لأنه لا يمكن أن يحدث تعارض حقيقي بين كتاب الله المسطور- القرآن- و كتابه المنظور -الكون- .
و أما اعتراضه الثالث فمفاده أن القرآن بيان للناس ، ذكر مظاهر طبيعية معروفة لدي الناس ، و لم تُثر فيهم اشكالات ، كتصطح الأرض ، و جريان الشمس ، و هذا فهمٌ يقوم على المشاهدة الظاهرة للشيء ، و هو يفي بالاعتبار لطرح السؤال المطلوب ، و هو: من خلق هذا ؟ ، و ليس كيف حدث هذا النظام (1) ؟ .
(1) الجابري: القرآن و العلوم الكونية ، جريدة الاتحاد.