و ثالثا إن نظام الحكم الذي نصّ عليه القرآن من خلال الأسس الثلاثة السابقة ، هو محكوم بأساسيات الشريعة و مقاصدها ، فعلى الحاكم المسلم الالتزام بالشورى ، و العدل ، و الأخوة ، و التعاون على البر و التقوى ، و تطبيق الحدود الشرعية ، و حماية الثغور ، فالحاكم في القرآن عليه مهام كثيرة جدا ، كلفه بها ، و بناء على ذلك فلا يصح القول بأن القرآن لم يتعرض لنظام الحكم و مسائله ، فقد تعرّض له من خلال تنظيمه العام للحياة ، و نصه على ثلاثة أسس هي عماد أي نظام سياسي راشد عادل من جهة ، و حثه على الاجتهاد ، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، و الحرص على العمل الصالح من جهة أخرى .
و رابعا إن اقتراحه باجتماع علماء المسلمين لإيجاد نظرية إسلامية في الحكم ، يُجمعون عليها ، هو أمر لا مبرر له ، لثلاثة أمور ، أولها إن أصول الحكم في الإسلام ومهامه، موجود بوضوح في القرآن و السنة . و ثانيها إن إجماعهم على ذلك يتضمن طعنا في الإسلام ، بأنه ناقص ، و أهمل جانبا هاما من حياة المسلمين ، فجاءوا هم و أكملوا ذلك النقص ، و هذا أمر باطل ، لأن الإسلام نص فعلا على نظام الحكم و مهامه ، و القرآن نص صراحة على أن الدين قد اكتمل ،و أن الله تعالى أنزل كتابه تبيانا لكل شيء .
و الأمر الثالث إن اقتراحه يكاد يكون من المستحيل تحقيقه على أرض الواقع ، لأن العلماء المعنيين بالإجماع تمنعهم من تحقيق ذلك ، ظروفهم الداخلية و الخارجية ، و انقساماتهم المذهبية و السياسية ، و تناقض مصالحهم الدينية و الدنيوية . لكن مع ذلك يبقى هذا الاقتراح يحمل جانبا مفيدا ، إذا ما تعاون هؤلاء على طرح اقتراحات و حلول ، و آليات جديدة سعيا منهم لإقامة نظام حكم إسلامي أصيل معاصر .