و الضابط الأخير-أي الخامس- هو الفهم الصحيح للقرآن القائم على ثوابت الشرع و مقاصده ،و على صريح المعقول و العلم الصحيح ، قال تعالى: - {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} - سورة النساء/82- ، و {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} - سورة ص/29 -، و {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} - سورة فصلت/53- و بمعنى آخر نفهم القرآن بناء على محمكاته و ثوابته و مقاصده ، و بدائه العقول ، و صحيح العلوم على اختلاف مجالاتها .
و ثانيا إن ما ذهب إليه الجابري فيما يخص مقياس معرفة المحكم من المتشابه هو نفس المنهج الذي ذمه القرآن الكريم في قوله تعلى: (( و أُخر متشابهات ، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ) )، فالجابري وقع في المحظور الذي حذّر منه القرآن ، لأنه لم ينظر إلى القرآن من خلال مكوناته و قواعده الداخلية الشاملة ، و لم يفرق بين الفهم الصحيح للقرآن ، و بين التأويل الباطل الذي يرفضه القرآن ، فليس كل فهم للقرآن يُعد صحيحا ، فالقرآن ميز بين قراءتين ، واحدة تقرأ القرآن من داخله حسب الضوابط الشرعية التي ذكرناها ، و أخرى تقرأه قراءة خارجية انتقائية معتمدة على المتشابه حسب أهوائها و مصالحها .