و ثانيا إن إشكالية التعليل التي توهمها الجابري سبق أن ناقشناه فيها و أثبتنا أنها وهم ، لا حقيقة لها في الشرع و لا في العقل معا . مما يعني أن اقتراحه الذي اقترحه للتخلص من الإشكالية المزعومة ، لا حاجة لنا فيه ، و غير مطلوب أصلا . لأنه لا تناقض بين التعليل و القياس الصحيح ، و مقاصد الشريعة و من ثم فلا حاجة أصلا إلى إعادة تأسيس الأصول ، على المقاصد ، لأنها هي في الأصل موجودة في الشرع ، و تقوم أساسا على الحكمة و التعليل اللذين يقوم عليهما موضوعا القياس الصحيح ، و مقاصد الشريعة ، فلا قياس و لا مقاصد دون حكمة و تعليل .
و بذلك يتبين أن طعن الجابري في القياس الشرعي مطلقا هو طعن في غير محله ، كان عليه أن لا يُعمم حكمه ، و يُفرّق بين القياس الجلي الصحيح ، المنتج المبدع ، و بين القياس المفسد للشرع و العقل معا . لكنه لم يفعل ذلك ليصل إلى ما يُخطط و يُمهد له ، من إنكار القياس مطلقا ، و الانتصار لابن جزم الظاهري و مدرسته ، ليوظف ذلك في مشروعه الذي يدعو إليه (1) .
و أما الخطأ السادس فيتعلق بموضوع مقاصد الشريعة ، فقد زعم الجابري أن فكر أبي إسحاق الشاطبي (ت790ه) ، الذي أقامه على مفهوم مقاصد الشريعة و كلياتها ، و على الطرقة التركيبية ، هي عناصر لم يكن لها حضور تأسيسي قبل الشاطبي ، و (( لا أي نوع من الحضور في حقل المعرفة البياني ) ) (2) ، ثم ادعى أن مفهوم الكلي كان غائبا تماما من الحقل المعرفي البياني قبل الشاطبي (3) .
(1) سيتبين ذلك لاحقا في مبحث قادم من هذا الفصل ، إن شاء الله تعالى .
(2) يقصد بالحقل المعرفي البياني: علوم الشريعة ، و اللغة و الأدب ، و علم الكلام .
(3) بنية العقل ، ص: 547 .