و بذلك يتبين أن ما ادعاه الجابري من أنه لم يكن للفكر المقاصدي حضور قبل الشاطبي ، هو ادعاء غير صحيح ، نقضه الجابري بنفسه ، عندما اعترف صراحة أن العز بن عبد السلام ، أحد أقطاب الفكر المقاصدي ، إن لم يكن هو مؤسسه . لكن الغريب في الأمر أن الجابري أبقى على هذا التناقض قائما في كتابيه: بنية العقل ، و العقل الأخلاقي ، فالطبعة التي عندي من كتاب بنية العقل ، هي الطبعة السابعة الصادرة في نوفمبر 2004 ، عن مركز دراسات الوحدة العربية ، ببيروت ، و الطبعة التي عندي من كتابه العقل الأخلاقي العربي ، و هي الثانية الصادرة سنة 2001 ، عن المركز الثقافي العربي بالمغرب ، الأمر الذي يعني أن طبعة بنية العقل السابعة قد صدرت بعد صدور الطبعة الثانية من العقل الأخلاقي بأكثر من عامين ! . فالمفروض أنه كان عليه أن يُزيل هذا التناقض إذا كان قد تنبه إليه .
و ربما يٌقال أن الجابري عندما قال ما ذكره في كتابه بنية العقل ، لم يكن على علم بما قام به ابن عبد السلام ، و ابن تيمية ، و ابن قيم الجوزية ، و هذا له وجه من الصحة ، لكن المفروض أنه كان عليه أن لا يُجازف و يصدر ذلك الحكم القطعي ، فهو مسئول عنه ، حتى أنه عندما اطلع علي ما كتبه هؤلاء ، فإنه لم يُغيره !! .
و أما بالنسبة لما قاله عن مفهوم كليات الشريعة من أنه كان غائبا تماما ، عن الحقل المًسمى بالمعرفي البياني قبل الشاطبي ، فهو قول غير صحيح أيضا ، فقد أشار إليه علماء كثيرون في مصنفاتهم ، منهم: أبو المعالي الجويني، فقد قال في كتابه البرهان: (( و لكنه يُنظر في كليات الشرع ، و مصالحها العامة ) )، و قال: (( و القول فيما يجوز و يُمتنع من كليات الشرائع ) )، و (( ثم التعلق بالأمثلة و الكلام في بناء القواعد و الكليات ) ) (1) .
(1) ج 1 ص: 78 ، 248 ، ج 2 ص: 875 .