فهرس الكتاب

الصفحة 279 من 613

و أما قوله: إن الله تعالى خلق الكون بما فيه الإنسان ، وفق سنن و قوانين قدرها تقديرا ، عليها سيّر الكون ، فهو كلام صحيح موافق للقرآن الكريم ، و لمذهب أهل السنة ، الذين يعتقدون أن الله تعالى قبل أن يخلق العالم قدّر مقاديره تقديرا ، بعلمه و حِكمته ،و عندما خلقه جعله يسير وفق ما قدره له في سابق علمه الأزلي (1) .

لكن الجابري أخطأ عندما استثنى أفعال الإنسان من ذلك التقدير المسبق ، عندما قال: (( حين الفعل يتدخل علم الله ) )، و هو ادعاء لا دليل عليه من الشرع و لا من العقل ، بل الشرع يرفضه رفضا ، و ينقضه نقضا . وأما إذا كان يتعلق بمسألة الجبر و الاختيار التي سبقت مناقشتها ، فقد بينا أن سبق العلم الإلهي الغيبي الأزلي لا يستلزم الجبر و الإكراه ،و لا يمنع الإنسان من ممارسة حريته و أعماله ، و تحمل مسؤولياته .

و هو أيضا قد اعترف بأمرين خطيرين نقض بهما ما بناه نقضا ، أولهما إنه أقر بأن علم الله كامل لا يحتمل الإضافة . و ثانيهما إنه اعترف بأن الحل المعقول بالنسبة لخلق العالم بما فيه الإنسان ، هو القول: إن الله خلق الكون (( وفق سنن و قوانين قدّرها تقديرا ، كحركة الفلك مثلا ) )-سورة - ، و هذا يعني أن الله تعالى يعلم الغيب الأزلي ، لأنه لو لم يكن كذلك ، ما استطاع يٌقدر خلق العالم تقديرا مستقبليا . و من ثم فلا يصح شرعا و لا عقلا استثناء الإنسان من هذا التقدير المستقبلي القائم على العلم . كما أن اعترافه بهذين الأمرين هو نقض لنظرية الجهمية و المعتزلة في نفي القضاء و القدر و العلم ، التي دافع عنها الجابري مرارا و تكرارا .

(1) صديق حسن خان: قطف الثمر من عقيدة أهل الأثر ، ص: 84 و ما بعدها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت