فهرس الكتاب

الصفحة 280 من 613

و إذا كان الجابري كثيرا ما سكت عن أخطاء الجهمية و المعتزلة ،و برر آراءهم و دافع عنها ، فإنه لم يفعل ذلك مع أهل السنة ، فقد حرص على انتقادهم ،و تحميل أقوالهم ما لا تحتمله ، و قد يُقوّلهم-أحيانا- ما لم يقولوه . من ذلك إنه عندما تعرّض لمسألة مرتكب الكبيرة ، ذكر أن أهل السنة قالوا: إنه فاسق لا يُخرجه فسقه من كونه مؤمنا ، ما دام يؤمن بالله و رسله و كتبه . و بمعنى آخر إنه مؤمن عاص إن شاء الله غفر له . ثم انتقد السنيين في ذلك و قال: إن فيه إدانة خفيفة للأمويين ،و ينطوي أيضا على التساهل في مسألة الوعد و الوعيد ، و ذلك أنه (( إذا كان الله سيغفر للمؤمن العاصي ، فمعنى هذا أنه سيخلف وعيده ، علما بأن الله توعد مرتكبي الكبائر بالعقاب الشديد ) ) (1) .

و أقول: إنه ذكر أن أهل السنة قالوا: إن مرتكب الكبيرة مؤمن عاص ، إن شاء الله عفر له ، ثم عاد و قال - في انتقاده للسنيين-: (( إنه إذاكان الله سيغفر للمؤمن العاصي ... ) )، فقوله هذا يُخالف ما ذكره قبل ذلك ، فهناك فرق كبير بين: إن المؤمن العاصي في حكم الله إن شاء عذبه و إن شاء غفر له ، و بين قوله: (( إذا كان الله سيغفر للمؤمن العاصي ) )، فأهل السنة لم يقولوا: إن الله سيغفر لمرتكب الكبيرة ، و إنما قالوا: إنه لا يخلد في النار . و هذا يعني أنه يستحق دخول النار بذنوبه ، من دون الخلود فيه ، و مع ذلك فإن الله تعالى ربما يغفر له قبل دخولها ، علما بأن كثيرا من النصوص ذكرت أن صاحب الذنوب يدخل النار إذا كانت ذنوبه أكثر من حسناته (2)

(1) العقل السياسي ، ص: 274 .

(2) انظر: صديق حسن خان ، قطف الثمر ، ص: 132 . و ابن أبي العز الحنفي: شرح العقيدة الطحاوية ، ص: 316 و ما بعدها . و ابن قيم الجوزية: طريق الهجرتين و باب السعادتين ، ط2 ، دار ابن القيم ، الدمام ، 1994 . ، ص: 568 و ما بعدها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت