فهرس الكتاب

الصفحة 282 من 613

و الخطأ الثاني يتمثل في أن الجابري نقل عن المتكلم أبي بكر الباقلاني (ت403ه) ، إنه قال: (( ما لا دليل عليه يجب نفيه ) )، ثم عقب عليه بقوله: إن هذا المبدأ يقضي (( بإبطال كل شيء في الغائب ليس عليه دليل من الشاهد ، و واضح أن هذا المبدأ هو من الخطورة بمكان ، بالنسبة لقضايا علم الكلام . ذلك لأنه يربط عالم الغيب ، عالم الألوهية ، و البعث و الحساب ... بعالم الشهادة: الطبيعة و الإنسان ، ربط معلول بعلة ، أو على الأقل ربط مشروط بشرطه ، بحيث يُصبح عالم الشهادة شرطا في وجود عالم الغيب ، و ذلك ما يمس الدين نفسه كعقيدة ، و ليس وسائل الدفاع عنه ) ) (1) .

و قوله هذا يتضمن أخطاء و مبالغات ، لأنه أولا إن كلام الباقلاني صحيح لا مطعن فيه ، و هو تعبير عن مبدأ شرعي ، مُستنتج من القرآن الكريم ، كقوله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} - سورة الإسراء/36 - ، و (( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) )-سورة البقرة/111 - ، و { إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى} -سورة النجم/23- ، و - {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ} - سورة الحج/8- . و الباقلاني لم يكن يقصد ما ذهب إليه الجابري ، لأن تراث الرجل-أي الباقلاني- يشهد على أنه لم يكن يقصد ما ذهب إليه الجابري (2) .

(1) بنية العقل ، ص: 442-443 .

(2) أنظر مثلا: الباقلاني: كتاب تمهيد الأوائل و تلخيص الدلائل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت