و ثانيا إن الجابري حمّل كلام الباقلاني ما لا يحتمله ، و جعّده تجعيدا بلا دليل ، و حوّله من حبة صغيرة إلى قبة كبير ، لأن الباقلاني قال: (( ما لا دليل عليه يجب نفيه ) )، من دون أن يُحدد مصدر هذا الدليل ، و إنما الجابري هو الذي حدده و حصره في الشاهد المادي ، و هذا تحريف للنص و توجيه له بطريقة غير صحيحة ، علما بأن مصادر الأدلة ثلاثة ، هي: الشرع ، و العقل ، و المشاهدة المادية ،و هذه المصادر يقول بها أبو بكر الباقلاني ، كغيره من علماء المسلمين ، و مؤلفاته التي وصلتنا تشهد على ذلك (1) . فعمل الجابري هو اعتداء على كلام الرجل ، و إخراج له من إطاره المعرفي و الزماني الذي قيل فيه . علما بأن ما ذهب إليه الجابري هو جانب تتضمنه مقولة الباقلاني ، و ليس حصرا لها ، فجاء هو و جعل الجزء كلا ، و أبعد الجوانب الأخرى . فالباقلاني قال: (( ما لا دليل عليه يجب نفيه ) )،و الجابري جعلها تقول: (( ما لا دليل عليه من المشاهدة المحسوسة يجب نفيه ) )، فتأمل ! . فمقولة الباقلاني فيها اشتراط للدليل من دون تحديد لمصدره ، و الثانية فيها اشتراط للدليل مع تحديد مصدره ، المتمثل في الشاهد المادي ، مما يعني أن مقولة الجابري لا تنطبق على مقولة الباقلاني إلا بنسبة الثلث دون الثلثين الباقيين .
(1) أنظر: نفسه .