و ثالثا إنه حتى إذا سلمنا-جدلا- بما ذهب إليه الجابري في تفسيره لمقولة الباقلاني ، فإن أدلة عالم الشهادة لا تُشكل أي خطر على دين الإسلام ، إذا اُستخدمت بطريقة صحيحة ، و وُضعت في مكانها المناسب ، لأن العقل و العلم إن لم يُثبتا الدين فإنهما لن يستطيعا نفيه . هذا فضلا على أن العلم الحديث أثبت بالأدلة الصحيحة الدامغة بأنه لا يصح القول بأن ما لا تُدركه الحواس لا وجود له ، فهذه مقولة أصبحت خرافة من خرافات تاريخ الفكر الإنساني ، لأن العلم الحديث أثبت وجود عوالم غير مرئية لم يكن الإنسان يراها و لا يعرفها، و هي اليوم من حقائق العلم الكبرى التي لا تُرى ، كعالم الذرة ، و الجاذبية ، و عالم الجراثيم و الفيروسات . علما بأن القرآن الكريم نفسه يدخل في عالم الشهادة المحسوس ، فهو دليل علمي مادي دامغ مُعجز ،شاهد على صدق نبوة محمد رسول الله- عليه الصلاة و السلام- ، فإذا استشهد به المسلم فهو يستشهد بدليل مادي ملموس . و أما فيما يخص وجود الله سبحانه و تعالى ، فالدليل على وجوده دليلان ماديان مُشاهدان ملموسان ، هما: كتاب الله المنظور ، و هو الكون و ما فيه من مخلوقات، و كتابه المسطور ، و هو القرآن الكريم ، و الكتابان مُعجزان يشهدان على وجود الله تعالى .
و أما الخطأ الثالث فيتعلق بموضوع الخوارق عند ابن خلدون و موقفه منها ، فقال الجابري: قرر ابن خلدون أن (( خرق العادة كان زمن النبي فقط ، أما بعد ذلك فقد: ذهبت الخوارق و صار الحكم للعادة كما كان ، أي صارت القوانين الطبيعية مطردة في مجال الطبيعة و القوانين الاجتماعية مُطردة في مجال العمران ... و لنقل في مجال الشريعة أيضا ) ) (1) .
(1) بنية العقل ، ص: 551 .