فهذه الأقوال شاهدة على عكس ما ادعاه الجابري ، فقوّله ما لم يقل ، و نقل كلامه نقلا ناقصا مبتورا ، لا ندري أتعمد في ذلك ، أم لا ؟ ، فابن خلدون لم يقل أبدا أن الحوارق كانت خاصة بزمن الرسول-صلى الله عليه وسلم- يم توقفت بعده . كما أنه لم يقصد بعبارة: العادة ، ما قصده الجابري ، فالعادة كما ذكرها ابن خلدون قصد بها العادات و التقاليد العصبية التي كانت سائدة زمن الجاهلية المتعلقة بالحكم ، فلما ضعف التدين ،و تطاول الزمن عادت بعض العوائد المتعلقة بالعصبية إلى الظهور من جديد ، و هذا قاله ابن خلدون صراحة . و أما الجابري فقد أعطى لمعنى العادة مفهوما فكريا عميقا ، معناه السنن و القوانين و النواميس التي تحكم الطبيعة و العمران البشري ، و حتى الشريعة . و هذا كلام لم يقله ابن خلدون و ما قصده باستخدامه لعبارة العادة التي نقلناها عنه آنفا .
و ثانيا إن مما يُبت خطأ الجابري فيما نقله عنه ، أن ابن خلدون نفسه كان يؤمن بحدوث الخوارق على أيدي أُناس عاشوا بعد رسول الله-عليه الصلاة و السلام-، فمن ذلك أنه قال: (( و عند ظهور الغلاة من الصوفية ،و جنوحهم إلى كشف حجاب الحس ، و ظهور الخوارق على أيديهم ،و التصرفات في عالم العناصر ) ) (1) .
و الشاهد الثاني هو أنه عندما تكلّم عن الكيميائيين قال: (( إنما هو من منحى كلامهم في الأمور السحرية ،و سائر الخوارق ،و ما كان من أمر الحلاج و غيره ) ) (2) . و الشاهد الثالث هو إنه عندما تكلّم عن بعض أولياء المغرب الإسلامي و أعيانه ، قال: (( و أما وقوع الخوارق فيهم ، و ظهور الكاملين في النوع الإنساني من أشخاصهم ، فقد كان فيهم من الأولياء ) ) (3) .
(1) المقدمة ، ص: 413 .
(2) نفس المصدر ، ص: 453 .
(3) العبر ، ج 6 ص: 105 .