و أما مبدأ الاستدلال بالشاهد على الغائب ، فهو مبدأ صحيح شرعا و عقلا ، و له مكانة هامة في علوم الإسلام ، و في علوم أخرى ، لكن الجابري بالغ في الهجوم عليه و الحط من قيمته ، انطلاقا من خلفياته المذهبية المدفوع بها (1) . فأما صحته شرعا ، فإن الله تعالى أمرنا و حثنا في آيات كثيرة على السيّر في الأرض لمعرفة أخبار الماضين و الاعتبار بها ، و هذا السيّر هو أسلوب من أساليب الاستدلال في القرآن الكريم ، يقوم على البحث عن العلل و الخلفيات ،و الآثار المادية ، لمعرفة عاقبة المكذبين و الاعتبار بهم ، بناء على الاستدلال بالشاهد على الغائب ، عن طريق الاعتماد على الآثار المادية المُشاهدة لمعرفة الماضي المجهول .
و أما عقلا و علما ، فإن المجهول يُعرف بالمعلوم و ليس بالمجهول مثله ، و علم التاريخ ،و علم الآثار ، و علم الجيولوجيا ،و علم التاريخ الطبيعي للكون ، كلها علوم تقوم على مبدأ الاستدلال بالشاهد على الغائب ، لأن الحاضر المادي المُشاهد هو مفتاح الماضي الغائب .
(1) أنظر مثلا: بنية العقل ، ص: 308 . و سيتبن ذلك جليا في نهاية هذا الفصل ، بحول الله تعالى .