فهرس الكتاب

الصفحة 341 من 613

و خامسا إن قول الجابري بأن المدرسة المغربية الأندلسية نقدت العرفان الصوفي ،و أنكرت الكرامات و الخوارق ، هو قولا يصدق على كل ممثلي هذه المدرسة ، فهو إن صدق على ابن حزم و ابن رشد ، فإنه لا يصدق على ابن خلدون و الشاطبي ، فابن خلدون قال بكرامات الصوفية ، و زعم بأن لهم واقعات يُخبرون فيها بالغيب ، و لهم تصرف في الحوادث السفلية (1) . و الشاطبي هو أيضا مدح الصوفية و أثنى عليهم ،و اعترف بأحوالهم و أقر بكراماتهم و خوارقهم (2) .

و بذلك يتبين ما ذكرناه ، أن زعم الجابري بأن المدرسة المغربية الأندلسية كانت تتمتع بوحدة فكرية بين جميع ممثليها جمعتهم تلك المبادئ التي ذكرناها ، هو زعم غير صحيح ، إذ تبين بالأدلة الدامغة بأن هؤلاء لم يتفقوا على أي مبدأ من مبادئ تلك المدرسة المزعومة ، مما يعني أنها مدرسة وهمية ، تقوم على مشروع فكري مُتوَهم مُلفق ،و مُرقع مُتناقض ، و متنافر متناثر، غير مُنسجم ، يفتقد إلى التوثيق و الصحة ، و القوة و الإحكام .

و أشير في هذا المقام إلى أربعة أمور هامة ، أولها يتعلق بسكوت الجابري عن أخطاء و نقائص و سلبيات ممثلي مدرسته التي يُبشر بها ، ففيما يتعلق بابن حزم أذكر على ذلك مثالين ، الأول يتمثل في أن الجابري ذكر قولا لابن حزم يقول فيه: إن كتب (( أرسطو في المنطق و الطبيعيات كلها سالمة مفيدة دالة على توحيد الله عز وجل و قدرته ) ) (3) . و قوله هذا يتضمن أخطاء كثيرة سكت عنها الجابري ، منها أن ابن حزم أصدر حكما عاما على مؤلفات أرسطو في المنطق و الطبيعة بأنها سالمة دالة على التوحيد ، و هذا غير صحيح ، و الجابري يعرف ذلك بلا شك ، لأنه هو نفسه اعترف بأن منطق أرسطو عقيم لا يُنتج معرفة في العلم التجريبي .

(1) المقدمة ، ص: 88 ، 372 ، 388 .

(2) الموافقات، ج 1 ص: 338، 354 ، ج 2 ص: 276 ، 296 ، ج 3 ص: 239 .

(3) بنية العقل ، ص: 522 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت