و أما فيما يتعلق بابن رشد ، فإن الجابري قد بالغ في مدح الرجل ، و سكت عن أخطائه و سلبياته ،و أحيانا يُبررها تبريرا ضعيفا جدا ، كموقفه من مبالغة ابن رشد في تعظيمه لأرسطو و فلسفته (1) . و ما كان له أن يفعل ذلك ، لأن البحث العلمي الموضوعي الحيادي يفرض عليه أن يعرض فكر الرجل على حقيقته ، بما له و ما عليه ، و ينقده نقدا علميا حياديا .
و أما بالنسبة للشاطبي ، فمن مواقفه التي سكت عنها الجابري موقفان ، أولهما إن الشاطبي كان على طريقة الأشعرية في نفي السببية و القول بعدم التحسين و التقبيح العقليين (2) . و مع ذلك ألحقه الجابري بما سماه نظام البرهان ، و لم يُلحقه بالبيانيين الذين قالوا بذلك حسب نظرة الجابري إليهم . كما أنني لم أعثر له على أي انتقاد وجهه للشاطبي فيما يخص هذين الموضعين .
و ثانيهما يتعلق برد الشاطبي على ابن رشد ، عندما زعم -أي ابن رشد- بأن علوم الفلسفة مطلوبة (( إذ لا يُفهم المقصود من الشريعة على الحقيقة إلا بها ) )، فأنكر عليه الشاطبي زعمه هذا ، بقوله: (( و لو قال قائل: إن الأمر بالضد مما قال ، لما بَعُد في المعارضة ) )، ثم رد عليه مستشهدا بأحوال السلف في فهمهم للشريعة دون فلسفة اليونان (3) .
فهذا الاختلاف الأساسي بين الرجلين دليل قوي على غياب الانسجام و وحدة الفكر بينهما ، و أنهما ينتميان إلى مدرستين فكريتين مختلفتين ، و ليس كما زعم الجابري بأنهما يكونان مدرسة واحدة ،و الذي ينقض ذلك هو الذي بيناه ، و سكت عنه الجابري ، و ما كان له أن يفعل ذلك .
(1) الجابري: ابن رشد: سيرة و فكر ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 2001 ، ص: 171 و ما بعدها . و هذا الكتاب تحصلت عليه بعدما أنهيت الدراسة و أرسلتها إلى النشر فاستفدت به هنا .
(2) الموافقات ، ج 1 ص: 87 .
(3) نفس المصدر ، ج 3 ص: 328 ، 376 .