فهرس الكتاب

الصفحة 344 من 613

و أما الأمر الثاني فيتعلق بمشروع ابن حزم ، فقد ادعى الجابري أن ابن حزم كان يهدف بمشروعه إلى تأسيس البيان على البرهان (1) . و زعمه هذا ينقضه ما نقله هو شخصيا من أن ابن حزم قال في كتابه الفصل في الملل و الأهواء و النحل: (( و اعلموا أن دين الله تعالى ظاهر لا باطن فيه ، و جهر لا سر تحته ، كله برهان لا مسامحة فيه ) ) (2) . فبما أن دين الله كله برهان ، فهو ليس بيانا بالمعنى الجابري ، و من ثم لا يحتاج إلى برهان من خارجه ، و هل يحتاج البرهان الإلهي إلى برهان بشري ؟؟ . و بما أن دين الله كله برهان عند ابن حزم ، فلا يصح أن يُقال بأن ابن حزم كان يسعى إلى تأسيس البيان على برهان فلسفة اليونان ،و إن كان يُريد ذلك فعلا ، فهو متناقض مع نفسه .

و الأمر الثالث يتعلق بمشروع الشاطبي ، فقد ادعى الجابري أن الشاطبي هو أيضا كان يهدف إلى تأسيس البيان على البرهان (3) ، بمعنى تأسيسه على منطق أرسطو . و زعمه هذا غير صحيح ، ينقضه الشاطبي بنفسه ، فإنه نصّ صراحة على أن (( البرهان قائم على البيان ، و أن الدين قد اكتمل قبل موت الرسول ) )-عليه الصلاة و السلام- ، و أن الله تعالى (( أنزل القرآن برهانا في نفسه على صحة ما فيه ) ) (4) . فدين الإسلام عند الشاطبي براهان بذاته لا يحتاج إلى برهان اليونان ،و لا إلى عرفان الصوفية و الشيعة ، و لا إلى كلام المتكلمين . و كلامه هذا ينسف جانبا كبيرا من مشروع الجابري المزعوم .فلماذا أغفل الجابري ما قاله الشاطبي ؟ ، فهل لم يتنبه إليه أم أنه سكت عنه ؟ .

(1) بنية العقل ، ص: 567 .

(2) تكوين العقل ، ص: 293 .

(3) بنية العقل ، ص: 547 ، 567 .

(4) الموافقات ، ج 3 ص: 90 ، 377 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت