فهرس الكتاب

الصفحة 345 من 613

و أما الأمر الرابع- و هو الأخير- ، فيتعلق بأهمية ما جاءت به المدرسة المغربية الأندلسية ، فأدعى الجابري أن المشروع الذي قدمته المدرسة الحزمية و الرشدية ،و الخلدونية و الشاطبية ، قام على أُسس علمية عقلانية ، هي نفسها التي قام عليها الفكر الحديث في أوروبا ،و ما تزال تُؤسس التفكير العلمي إلى اليوم (1) .

و قوله هذا فيه حق و باطل ، لأنه سبق أن ناقشنا أسس هذه المدرسة المزعومة ، و بينا أن ممثليها لم يتفقوا كلهم على أي مبدأ من المبادئ التي قال الجابري أنها تقوم عليها مدرستهم ، فمنهم من قال بالاستقراء ، و منهم من نفاه ، و منهم من قال بالسببية ، و منهم من نفاها ، و منهم من قال بالكرامات ، و منهم من أنكرها ...إلخ . كما أن مبادئ هذه المدرسة ليست هي نفسها التي قام عليها الفكر الأوروبي الحديث ، و ليست هي التي أسست الفكر العلمي الحديث، لأن مدسرسة الجابري هي في أصلها أرسطية مشائية ، بناء على أعمال ابن رشد الفلسفية ، و هي ليست استقرائية تجريبية ، .و نحن نعلم أن العلم الحديث بأوروبا قام أساسا على أنقاض طبيعيات أرسطو و منطقه ، فما هو العمل الايجابي المباشر الذي قدمته له المدرسة الجابرية المزعومة ؟ ، مع العلم أن المدرسة المغربية الأندلسية الجابرية ، إذا نزعنا منها فلسفة أرسطو انهارت من أساسها ، و هي بالفعل منهارة ، بحكم أن فلسفة أرسطو باطلة في معظمها .

و أما بالنسبة لموقف الجابري من أهل الحديث ، فإنه أخطأ في حقهم من جانبين ، أولهما إنه أغفلهم إغفالا تاما كمدرسة فكرية سنية قائمة بذاتها و أصولها ، و فروعها و تراثها ، فلم يجعل لها مكانا متميزا في النظم المعرفية التي ذكرها ، و لا ميزها في النظام الذي سماه البيان ، وأدخل فيه المعتزلة و الأشاعرة ،و أهل اللغة ، فهو و إن كان ألحقهم به ، فلم يُميزهم فيه كما ميز غيرهم.

(1) بنية العقل العربي ، ص: 564 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت