و الجانب الثاني هو أنه أغفلهم أيضا إغفالا شبه تام تقريبا ، على مستوى علمائهم ، و جماعتهم ،و فكرهم. فكان نادرا ما يذكر بعض علمائهم ، كابن تيمية مثلا ، كان يذكرهم عندما يستدعي سياق الكلام ذلك ، فيكون ذكره لهم عرضيا مُقتضبا (1) . و أما إغفاله لهم كجماعة و طائفة ، فإنه عندما تكلم عن أهل السنة في العصر العباسي قال: (( بل أيضا لدي أهل السنة أنفسهم ، مُعتزلة و أشاعرة ) ) (2) . و قوله هذا يتضمن ثلاثة أخطاء ، أولها إنه أدخل المعتزلة في أهل السنة ، و هم ليسوا منهم . و ثانيها إنه جعل الأشاعرة من أهل السنة زمن العصر العباسي دون أن يحدده زمنيا ، لأن الأشاعرة لم يكن لهم وجود في العصر العباسي الأول (132-232 ه) ، و لا كان لهم وجود جماعي في عصر الأتراك ( 232-322ه) ، و لم يكن لهم نفوذ إلا في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري و ما بعده (3) .
و الخطأ الثاني هو أنه-أي الجابري- لم يذكر أهل الحديث من بين أهل السنة ، رغم أنهم كانوا يمثلون قطب أهل السنة ، في القرن الثاني و الثالث و الرابع للهجرة ، و كان علماؤهم هم أعلام المسلمين كالإمام مالك ، و الليث بن سعد ، و الشافعي ، و أحمد بن حنبل ، و إسحاق بن راهويه ، و البخاري ، و مسلم ، و ابن قتيبة ، و ابن خزيمة ، و الطبري ، و غيهم كثير .
(1) سنفصل ذلك ، و نوثقه قريبا .
(2) العقل السياسي ، ص: 303 .
(3) أنظر كتابنا: الأزمة العقيدية بين الأشاعرة و أهل الحديث ، ص: 13 و ما بعدها .