كما أنه أغفلهم كطائفة صاحبة مذهب مُتميز ، فلم يهتم بأصولهم ،و لا بمواقفهم العلمية من قضايا عصرهم ، و أدرجهم- من دون أن يذكرهم- مع الذين سماهم أهل البيان ، عندما ادعى أن جميع المفكرين البيانيين ، كانت تُؤطرهم الرؤية البيانية التي شيدها المتكلمون (1) . و زعمه هذا غير صحيح بالنسبة لأهل الحديث ، فهو لا يصدق عليهم ، لأنهم كانوا معارضين للمعتزلة و أمثالهم منذ البداية ، معارضة عقائدية منهجية ، و ردوا عليهم بمنهج مغاير لمنهجهم ، مغايرة أساسية ، الذي من أسسه: تقديم الشرع على العقل مع عدم إهمال العقل و وضعه في مكانه المناسب . و الاعتماد على الكتاب بلا تأويل صوفي و لا شيعي ، و بلا تأويل كلامي و لا فلسفي ،و فهمهما من داخلهما ،و بما أجمع عليه الصحابة و التابعين . و إثبات كل الصفات الإلهية التي أثبتها الشرع ، بلا تأويل و لا تعطيل ،و بلا تجسيم و لا تشبيه و لا تكييف ،و إنما هو الإثبات و التنزيه . و تبني منهج شرعي عقلي علمي في مسائل العقيدة و المفاهيم و التصورات للرد على مخالفي أهل السنة ، يقوم على: نقد منهج المتكلمين و إبطاله شرعا وعقلا . و الاحتكام إلى منطق العقل و الإيمان في استخدام الأمثلة النظرية و الواقعية في الرد على المخالفين . و إظهار مغالطات كثير المتكلمين في تعاملهم مع الشرع والعقول . و قد طبق هذا المنهج أعلام أهل السنة في القرن الثالث الهجري و ما بعده ، كأحمد بن حنبل في كتابه الرد على الزنادقة ، و البخاري في خلق أفعال العباد و الرد على الجهمية ، و ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث ، و الدارمي في الرد على الجهمية ، و الطبري في التبصير في الدين ، و غيرهم كثير (2)
(1) بنية العقل ، ص: 549 .
(2) الخلال: السنة ، ط2، دار الراية ، الرياض ، 1415 ، ج 1 ص: 547 ، 559 . و الدارمي: الرد على الجهمية ط2، دار ابن الأثير الكويت ، 1995، ص: 18 ، 22، 33 ، 34، 44 ، 45، 46 ، 47، 67 ، 138، 139 ،153، 154 ، . و ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث ، ص: 83-84 ، 252 . عبد الله بن أحمد بن حنبل: السنة، ط2، دار الكتب العلمية بيروت، ص: 13 . الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ، ج 7 ص: 64 . ابن خزيمة: كتاب التوحيد، ط6، شركة الرياض، 1418 ، ص: 58، 59، 94 ، 135 ، 257-258 . و الطبري: التبصير في الدين ، ط1، دار العاصمة الرياض ، 1996، ص: 147 ، 212 . و ابن قيم الجوزية: اجتماع الجيوش الإسلامية ، ص: 96، 98 ، 99-100 . البخاري: خلق أفعال العباد ، دار الشهاب ، الجزائر ، دت ، ص: 16 ، 17 . ابن تيمية: درء التعارض ، ج 1 ص: 356 ، ج 2 ص: 163 .