و أما الأمر الثاني فيتمثل في أن الجابري أدعى أن ابن تيمية في نضاله استلهم ظاهرية ابن حزم ،و طريقة ابن رشد التي اقترحها في كتابه الكشف عن مناهج الأدلة (1) . و قوله هذا غير صحيح ، فمع أن ابن تيمية قد استفاد مما كتبه العلماء من قبله ، كالباقلاني ، و القاضي أبي يعلى الفراء ، و ابن حزم ، و ابن رشد ،و ابن الجوزي ، فإن منهجه الفكري يختلف اختلافا كبيرا مع ابن حزم ، و جذريا مع ابن رشد ، لأن منهج ابن تيمية هو منهج أهل الحديث و الحنابلة الذي ذكرناه سابقا،و هو قد صرّح بأنه على ذلك المنهج عشرات المرات في مصنفاته ،و ربما مئات المرات . و هو يُخالف ابن حزم في الصفات و الظاهرية ، و في موقفه من فلسفة أرسطو و منطقه، و قد سبق أن ذكرنا طرفا من انتقاداته له. و أما بينه و بين ابن رشد فلا مجال للمقارنة بين الرجلين منهجا و تفكيرا و سلوكا ،و الانتقادات اللاذعة التي وجهه إليه ،و أشرنا إليها آنفا شاهدة على ما أقول ، و على مدىعمق الهوة بين الرجلين .
(1) تكوين العقل ، ص: 322 .