و أشير في هذا المقام إلى أن الجابري لم يكتف بإغفال أهل الحديث كمدرسة مستقلة بفكرها و رجالاتها و تراثها، و إنما ألحقهم أيضا بالذين سماهم البيانيين ، و عمم عليهم أحكامه التي أصدرها عليهم . لذا وجدناه يقول بأن ابن تيمية ناضل من أجل البيان باسم المذهب الحنبلي (1) . و قوله غير صحيح ، لأن ابن تيمية و أهل الحديث لم يجاهدوا من أجل ذلك البيان ،و إنما جاهدوا من أجل نظام آخر ، كان الجابري قد أغفله عندما ألحقه باليان ،و الحقيقة أنهم جاهدوا من أجل نظام الوحي ، الذي هو نظام الكتاب و السنة الصحيحة ، و لم يُجاهدوا من أجل ذلك البيان المزعوم ، و كيف يُجاهدون من أجله ؟ ، و هم قد خاضوا صراعا طويلا متعدد الجبهات في مقاومة العناصر التي قال الجابري أنها كانت تُمثل نظام البيان و العرفان و البرهان ، إنهم قاوموا المعتزلة ، و الشيعة ، و الصوفية ، و الأشاعرة ، و الفلاسفة ، من أجل نظام الوحي ، القائم على الكتاب و السنة الصحيحة الموافقة له (2) .
و أما لماذا أغفل الجابري مدرسة أهل الحديث كمدرسة فاعلة مستقلة بذاتها و رجالاتها و تراثها ، فيبدو لي أنه فعل ذلك لأمرين هامين ، أولهما إن مدرسة أهل الحديث كانت تمثل نظاما رابعا مغايرا للنظم الثلاثة التي ذكرها ، و استقلاليتها هذه تُفسد عليه حساباته المذهبية المبيتة سلفا .
(1) نفسه ، ص: 322 .
(2) للتوسع في الإطلاع على ما قام به أهل الحديث في الانتصار لمذهبهم و مقاومة معارضيهم أنظر مثلا كتابينا: صفحات من تاريخ أهل السنة و الجماعة ببغداد . و و الأزمة العقيدية بين الأشاعرة و أهل الحديث .