فهرس الكتاب
و أما إذا قيل: ربما يكون ابن مسعود قد اخطأ فيما صدره عنه و قاله ، فهذا أمر مُستبعد جدا ، بل لا يصح أن يصدر عنه ، لمكانته و علمه ، و لأن هذا الأمر ليس مما يُنسى أو يُغلط فيه ، و لا يُتذكر بعد نسيانه و الخطأ فيه . فأين كان هو عندما كان الرسول-عليه الصلاة و السلام - ،و الصحابة يقرؤون المعوذين في الصلاة و خارجها مدة سنين طويلة ؟ ! . و أين كان هو عندما وجدها زيد بن ثابت مكتوبة و وضعها في المصحف الإمام عند أول جمع له ؟ ! . و أين ... و أين ؟ .
و الشاهد الثاني هو من السنة النبوية الصحيحة ، فقد ثبت أن رسول الله-عليه الصلاة و السلام- كان يقرآ بالمعوذتين في الصلاة ،و قال عنهما: (( آيات أنزلت الليلة ، لم يثر مثلها: قل أعوذ برب الفلق ، و قل أعوذ برب الناس ) ) (1) . فهذا دليل دامغ على بطلان ما نُسب لابن مسعود، لأنه لا يُعقل أن تنزل المعوذتان بمكة ،و يظل المسلمون يقرؤونهما في العهدين المكي و المدني و ابن مسعود لا يعرف أنهما من القرآن ! .
و الشاهد الثالث هو الإجماع ، فقد سبق أن ذكرنا أن الصحابة أجمعوا على ما قام به أبو بكر في جمعه للقرآن، كانت المعوذتان من المجموع ، دون أن تحدث أية معارضة و لا احتجاج ، و لا إنكار من ابن مسعود ،و لا من غيره من الصحابة ، فدلّ ذلك على أن المعوذتين من القرآن و أن ابن مسعود لم يكن ينكرهما .
و الشاهد الرابع يتمثل في أن الصحيح المروي عن ابن مسعود في موقفه من المعوذتين ، ينقض ما نُسب إليه من إنكاره كونهما من القرآن ، و هو أن قراءة عاصم الصحيحة المعتمدة ، من بين القراءات السبع ، هي مروية عن علي بن أبي طالب و ابن مسعود (2) - رضي الله عنهما- . و هي تحتوي على المعوذتين ،و من أكثر القراءات انتشارا في العصر الحديث ، فدلّ ذلك على بطلان ما نُسب لابن مسعود .
(1) مسلم: الصحيح ، ج 1 ص: 558 .
(2) ابن مجاهد: السبعة في القراءات ، ط2 ، دار المعارف ، القاهرة ، 1400 ، ص: 70 .