فهرس الكتاب
و أما الجانب الثاني فيتعلق بموقف ابن مسعود من اللجنة التي تولت عملية النسخ و التوحيد ، فقد رُوي أنه اعترض على تعيين زيد بن ثابت رئيسا لها ، لأنه كان يرى أنه أولى منه للقيام بتلك المهمة (1) . لكنه عاد و رضي بما جرى ، بعدما تبين له صحة ما قام به عثمان و من معه من الصحابة (2) .
و بالنسبة لمثال القاضيين اللذين ذكرهما أركون و قال إنهما احتجا على بعض قراءات النص الرسمي ، فأدانتهما السلطة العباسية في القرن الرابع الهجري ، فهو مثال غامض كان على أركون أن يُوضحه و يُوثقه ، فيذكر أسماء القاضيين ،و المصادر التي تكلمت عنهما و فيما قاما به . لكنه لم يفعل ذلك ،و ترك الأمر غامضا مُلغزا و كأنه تعمد ذلك للتمويه و التغليط ، و التضخيم و المبالغة فيما ذهب إليه ، و التشويش على القارئ ، فقد بحثتُ عنهما و لم أعثر لهما على أي ذكر واضح ثابت . لكنني عثرت على حادثتين مرتبطتين بموضوع قراءات القرآن الشاذة ، حدثتا لقارئين ببغداد في القرن الرابع الهجري، و استتابهما العلماء في مجلسين عُقدا لهما. و يبدو لي أن أركون يقصد هذين القارئين . الأول هو: القارئ محمد بن أحمد بن شنبوذ البغدادي (ت328ه) ، قرأ بالقراءات الشاذة المنسوبة إلى الصحابيين ابن مسعود و أُبي بن كعب- رضي الله عنهما- ، فأنكر عليه الناس و العلماء القراءة بالشواذ، و رُفع أمره إلى القضاء سنة 323ه ، فعُقد له مجلس ناظره فيه العلماء ، كان من بينهم: شيخ القراء ابن مجاهد، و القاضي أبو الحسين عمر بن محمد ، فانتهى المجلس باستتابة ابن شنبوذ ، فتاب عما صدر منه ،و أعلن أنه سيقرأ بمصحف عثمان ،و كتب في ذلك محضر وقع فيه الحاضرون بخطوطهم (3) .
(1) نفسه ، ج 1 ص: 197 . و النسائي: السنن ، ج 8 ص: 134 ، رقم: 5063 .
(2) الذهبي: السيّر ، ج 1 ص: 488 .
(3) ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب ، ج 4 ص: 150 . و صبحي الصالح: مباحث في علوم القرآن ، ص: 251 .