فهرس الكتاب
و أما إذا قلنا بالرأي الذي قال به أركون من أن كلا من أهل السنة و الشيعة اجمعوا على صحة المصحف العثماني ، فإنه يَصعُب علينا الطعن في الروايات التي ذكرت أن القرآن الكريم تعرّض للتحريف من جهة ، و يسهُل القول بصحتها من جهة أخرى ، بدعوى أنها ظهرت في وسط إسلامي محض مُجمع على القول بعدم تعرض القرآن للتحريف ، و بما أنها ظهرت فيه ، فهي إذا تُعبر عن الحقيقة و ليست من مفتريات الطائفة التي تطعن في القرآن ، لأنه لا وجود لها أصلا في المجتمع الإسلامي . و بذلك يستطيع أركون أن يعتمد علي تلك الروايات للطعن في القرآن الكريم ، و إثارة الشكوك و الشبهات حوله ، و الطعن أيضا في الإجماع الذي زعم أنه حدث بين السنة و الشيعة ، و الله تعالى أعلم بالصواب .
و قولنا هذا الذي ذكرناه عن عدم إجماع السنة و الشيعة على صحة المصحف العثماني هو حقيقة تاريخية و واقعية لا نستطيع نفيها ، و علينا أن نعترف بها أحببنا أم كرهنا ، أحزنتنا أم أفرحتنا ، علما بأن ذلك لا يضر القرآن الكريم شيئا ، لأن القرآن شاهد على صحته بنفسه ، بأنه محفوظ مُعجز ، مُحكم لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه ، و أن الله تعالى تولى حفظه . و أما الروايات المكذوبة التي قالت بتحريف القرآن ، فهي روايات مكذوبة باطلة قطعا ، لأن القرآن ينقضها و يُدحضها ، و لأن الروايات الحديثية و التاريخية الصحيحة تردها و تكذبها و تُبطلها . و لأن العقل يحكم بعدم صحتها لأنها تُخالف القرآن و التاريخ و العلم الحديث الذي أثبت وجود الإعجاز العلمي و الرقمي و التاريخي الدامغ في القرآن ، مما يعني أنه كتاب معجز محفوظ لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه (1) .
(1) سبق التطرق إلى ذلك و توثيقه .