فهرس الكتاب
ذلك هو حال التوراة التي وصفها أركون بأنها مصدر موثوق صحيح ، أما القرآن المعجز الذي تحدى الله به عالم الجن و الإنس ، و الذي دُوّن و حُفظ زمن النبي-عليه الصلاة و السلام- ، فهو حسب أركون مشكوك في مصدريته و أصالته و مضمونه . و زعم باطل ، لا يمت إلى العلم ،و لا إلى الموضوعية العلمية بصلة .
و أما قوله بأن هناك شيء واحد أساسي يُميز القرآن عن التوراة و الأناجيل ، و هو محافظته على لغته الأصلية -أي العربية- ، في حين أن الكتب الأخرى تُرجمت مُبكرا جدا إلى اللغة الإغريقية أو كُتبت بها (1) . فهو كلام فيه صواب قليل ، و تعصب كبير ، و افتراء كثير ، كل ذلك منعه من أن يعترف بالفوارق الأساسية الكثيرة و العميقة التي يمتاز بها القرآن الكريم على التوراة و الأناجيل و باقي الكتب المقدسة ، مع إقرارنا بأن من تلك الخصائص بقاؤه مكتوبا باللغة العربية التي نزل بها إلى يومنا هذا ، كما أشار إلى ذلك أركون ، و أما الخصائص الأخرى التي أغفلها أركون فمنها:
إن القرآن الكريم ظهر في فترة كان فيها تاريخ البشرية قد دخل دائرة الضوء ، و خرج من دائرة الظلام تقريبا ، و كُتب و حُفظ زمن النبي -عليه السلام- ،و وصل إلينا بالتواتر حفظا و تدوينا و إسنادا و إجماعا (2) .
و أما التوراة و الأناجيل فهي على العكس من ذلك تماما ، فلا أسانيد لها ، و لا لها أصول موحدة ، و لا يُعرف كُتابها على الحقيقة ، و لا تواريخ تدوينها . و ظهرت كلها في فترات مظلمة من تاريخ البشرية عُرفت بالتاريخ القديم ، غلبت عليها الفتن و الحروب و الخرافات و الأساطير (3) .
(1) الإسلام أوروبا ، ص: 81 .
(2) سبق توثيق ذلك مرارا .
(3) رؤوف شلبي: أضواء على المسيحية ، ص: 21 و ما بعدها .