و قوله هذا غير صحيح، ، لأنه أولا إن طريقة تشكيكه في الروايات الحديثية التي ذكرها حول الانتصار السياسي للإسلام ،و بنى عليها موقفه هي طريقة غير علمية في قبول و رد الروايات ، فإنه قال: من الجائز أن تلك الروايات نُسبت إلى الرسول-عليه الصلاة و السلام- بعد قيام دولة الإسلام ، و نُسبت إليه على طريقة العرب في التجويز في الكلام (1) . و ليس هكذا تُحقق الروايات و تُمحص لأن احتمال صحتها يبقى جائزا و واردا أيضا ، بأنها لم تُنسب إلى النبي و إنما قالها فعلا. لذا كان عليه إن أراد الوصول إلى الحقيقة ، أن يجمع تلك الروايات و يحققها إسنادا و متنا على طريقة أهل الحديث ، و لا يعتمد على مجرد الاحتمال ،و الترجيح النظري بلا مرجح حقيقي .
و ثانيا إن نظرته إلى الإسلام كدين و دولة هي نظرة ناقصة ، ليست نابعة من صميم دين الإسلام ، و لا أدري هل غابت عنه ، أم لا يعتقدها ، أم تعمد إغفالها ؟ . و حقيقة الإسلام إنه دين رباني عالمي يشمل كل جوانب الحياة دون استثناء ، فهو دين و دنيا ، و سيف و مصحف، صلاة و اقتصاد، عبادة و سياسة ، لذا فنحن إذا وصفنا الإسلام بذلك ، لا نفقده جوهره ،و إنما نضعه في مكانه الصحيح اللائق به الذي يستحقه .
و أما قوله بأن تلك الروايات صوّرت الرسول-صلى الله عليه و سلم- كقائد عسكري أسس إمبراطورية ، فهو قول فيه تغليط ، لأن محمدا -عليه الصلاة و السلام- كان رسولا نبيا، و قائدا عسكريا ، و مربيا مرشدا ، و سياسيا محنكا ،أسس دولة توسعت كثيرا على أيدي أصحابه ، فكانت دولة النبوة و الخلافة الراشدة ،و لم تكن إمبراطورية كما وصفها الجابري.
(1) نفسه ، ص: 23 .