و قوله هذا صحيح فيما يخص العقل السياسي ، لكنه غير صحيح فيما يتعلق بتكوّن العقل الإسلامي-العربي حسب الجابري- ، لأنه سبق أن بينا أن هذا العقل يجد مصدريته و مرجعيته الأساسية و النهائية في العهد النبوي نظريا و عمليا أولا ، ثم يجدهما في العهد الراشدي عمليا أيضا . لكن ذلك لا يمنع من وجود مرجعيات جزئية جانبية ظهرت فيما بعد ، كما هو حال الفلسفة اليونانية و الباطنية ، اللتان يدخلان في التطورات الفكرية التي طرأت على العقل الإسلامي ، الذي يبقى دائما يجد مصدريته و مرجعيته النهائية في الإسلام .
و أما التعليل الذي قدمه فهو ضعيف جدا ، و لا يصح و غير مُقنع ، لأنه إذا كان مُبرر الممارسة السياسية هو الذي جعله يبدأ دراسة العقل السياسي العربي من بداية الدعوة الإسلامية ، فإن نفس المبرر يجعله أيضا يبدأ في دراسته لتكوّن العقل العربي العلمي و الأخلاقي و الاقتصادي ، من نفس الفترة أيضا . لأن هذا التكوّن يجد مرجعيته العملية و العلمية النظرية في العهد النبوي أيضا و يبدأ ببدايته،و المتمثلة في الكتاب و السنة .
و يتبين مما ذكرناه- من أخطاء المجموعتين- ، أن الجابري قام بعملية اغتيال و سطو ، و تشويه للعقل الإسلامي، فسماه العقل العربي بدلا من الإسلامي، و اختلق له بداية وهمية في العصر الجاهلي ، بدلا من بدايته الإسلامية الحقيقية ، الصحيحة الثابتة ، و ربطه بإطار فكري متأخر سماه عصر التدوين ، بدلا من إطاره المرجعي الإسلامي المتقدم عن عصر التدوين بأكثر من 150 سنة . و ربطه أيضا بمرجعية بشرية بدلا من مرجعيته الربانية المتمثلة في القرآن و السنة النبوية الصحيحة .