و أما أخطاء المجموعة الثالثة- و هي الأخيرة - فتتعلق بموضوع ترجمة الفلسفة اليونانية إلى اللغة العربية في عصر التدوين ، و تتضمن ثلاثة أخطاء ، أولها يتمثل في أن الجابري ادعى أنه لما انتشرت أُطروحات الفكر المانوي و الشيعي الغنوصي ، و أراد المأمون التصدي لهما ، لم يكن هناك سلاح آخر إلا سلاح العقل الكوني المتمثل في الفلسفة اليونانية ، فسعى إلى تنصيبه بترجمة الفلسفة إلى اللغة العربية (1) .
و قوله هذا يتضمن خطأ كبيرا ، يتمثل في الجزم الذي أصدره بأنه لم يكن هناك أمام المأمون سلاح آخر للرد على المانوية و الشيعة الغنوصية ، إلا سلاح الفلسفة اليونانية . فهذا حكم غير شرعي ، و لا علمي ، و لا عقلي ، و هو حتمية لا دليل عليها ، إلا المبالغة و محض التحكم . فقد كان في مقدور المأمون و غيره من أهل العلم أن يردوا على الفلسفة المانوية و الشيعية الغنوصية و ينقضونها ،و يردوا أيضا حتى على الفلسفة اليونانية ، باستخدام النقل الصحيح-أي الشرع- ، و العقل الصريح، و العلم الصحيح . فلا داع للمبالغة في تعظيم الفلسفة اليونانية الوثنية المزعومة ، التي تقوم في كثير من جوانبها على الأوهام و الظنون ، و الأساطير و المنطق العقيم . فهل فلسفة هذا حالها يصح أن يٌقال فيها أنها كانت السلاح الوحيد الذي كان في مقدور المأمون استخدامه للرد على المذاهب التي كان يتخوف منها ؟ ! .
(1) تكوين العقل ، ص: 225 ، 229 ، و ما بعدها .