و أما موقفه الأخير- أي الخامس- فيتعلق بمنهج النقد عند المستشرقين ، فقال: إنهم (( يُقارعون المسلمات و الفرضيات الإسلامية ، باليقين العلموي ) ) (1) . و قوله هذا هو مدح و وصف لمنهج المستشرقين النقدي في تعاملهم مع الإسلام: أصولا ، و فروعا ، و تاريخا . و يتضمن أيضا طعنا في الإسلام الذي يقوم على المسلمات و الفرضيات على حد زعمه ، مقابل منهج المستشرقين الذي يقوم على اليقين العلمي ، أو العلموي حسب زعمه أيضا . و قوله هذا باطل من أساسه ، و فيه تغليط ، لأن منهج المستشرقين في تعاملهم مع الإسلام -قرآنا و سنة- يقوم أساسا على الأكاذيب و الظنون و الأهواء ، و الشكوك و الشبهات ، و هي أصول لا تمت إلى العلم ، و لا إلى اليقين بصلة ، فهم بإتباعهم لهذا المنهج الباطل المعوج ، وجدوا فيه طريقا لجحود نبوة محمد -عليه الصلاة و السلام- ، و الطعن في القرآن الكريم ، و هم الذين يصدق عليهم قوله تعالى: { إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى} -سورة النجم/23- ، و {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} - سورة آل عمران/71- . و أفكارهم هذه قد تبناها تلميذهم الوفي أركون ، و نشرها في مؤلفاته بحماس و غرور ، و نحن سنرد عليها و ننقضها على صاحبها ، في الفصول الآتية من كتابنا هذا ، إن شاء الله تعالى .
(1) تاريخية الفكر العربي ، ص: 253 .