و رابعا إن قول الجابري بأن سوء توزيع الثروة أدى إلى تمركزها بأيدي الأغنياء في المركز دون الأمصار ، هو قول غير ثابت و ضعيف جدا ، و فيه تضخيم و تغليط ، بدليل الشاهدين الآتيين: أولهما إنه من الثابت تاريخيا أن الفتوحات الإسلامية شارك فيها كل المسلمين القادرين على حمل السلاح ، على اختلاف قبائلهم و أجناسهم و لغاتهم ،و كانت الغنائم من مصادر الدخل الأساسية للدولة و للناس زمن عثمان (1) ، فكان للمقاتلين أربعة أخماس (4/5 ) الغنائم ، و الخُمس المُتبقي يُرسل إلى الخليفة ليُصرفه بالعدل و فق المصلحة الشرعية .و بما أن الأمر هكذا فلا يُوجد سوء توزيع للثروة ، و لا تمركز لها بأيدي فئة من الناس دون غيرها.
و الشاهد الثاني يتمثل في أنه سبق أن بينا و أثبتنا بالشواهد المتنوعة أن عثمان-رضي الله عنه- سار على طريقة عمر في تقسم العطاء و زاد عليه ، ففرض للمسلمين ما يكفيهم من الأعطيات و الأرزاق من دون حرمان لأية فئة من الناس ، فعم الرخاء و كَثُرت الخيرات ، و انتشر الأمن و الأمان . و بما أن الأمر هكذا فلا يصح ما ادعاه الجابري من وجود سوء توزيع للثروة و تمركزها بيد الأغنياء في المركز-أي المدينة- من دون الأمصار .
و أما الخطأ الثاني -من المجموعة الأولى- فمفاده أن الجابري ادعى أن عثمان كان يتصرف في بيت المال كأنه يتصرف في ماله منعا و عطاء ، و هذا سلوك معروف في الأغنياء الأسخياء ، فهم يُنفقون من أموالهم و أموال غيرهم بغير حساب . و يُضاف إلى ذلك أن (( النص الشرعي الذي يُحدد طريقة صرف الخمس يسمح بمثل هذا التصرف (( لله و للرسول و لذي القربى ... ) )،و قد صار أمره إلى الإمام ، وجدنا أنفسنا أمام وضع يَحُث ُ الباحث على تصديق ما يُروى في هذا الشأن عن عطاء عثمان من بيت المال لذويه و أقاربه )) (2) .
(1) إبراهيم حركات: المجتمع و السياسة في عصر الراشدين ، الدار الأهلية ، بيروت، 1985 ، ص: 190 .
(2) العقل السياسي ، ص: 142 .