فهذه الشواهد المتنوعة تُثبت بما لا يدع مجالا للشك ، بأن شروط صحة الحديث لم تكن من ابداعات عصر التدوين ، على ما ذهب إليه الجابري ، و إنما هي اكتملت و تقعدت في عصر التدوين ، ثم اتسعت و تقننت أكثر فيما بعده ، و هي شروط -كما رأينا- شملت نقد الإسناد و المتن معا .
و الموقف الثاني ذكر فيه الجابري أن علماء الحديث يُميزون بين صحيح الحديث من سقيمه ، بالاعتماد على (( ضبط سلسلة رواته ،و نقدهم بالتعديل و التجريح ، و ذلك علم الإسناد ) ) (1) . و قوله هذا يتضمن صوابا و خطا ، فالصواب هو قوله بأن المحدثين يُميزون صحيح الأحاديث من ضعيفها ، بنقد أسانيدها . و الخطأ هو حصره نقد الحديث في الإسناد فقط ، و إغفاله لنقد المتن عند المحدثين ، و الصواب هو أن المحدثين اعتمدوا في تحقيقهم للأحاديث على نقد الأسانيد و المتون معا ، و الشواهد على ذلك كثيرة جدا ، أذكر منها ثلاثة فقط على سبيل المثال لا الحصر (2) ، أولها ما ذكره الإمام مسلم (ت261ه) ، ) من أنه كانت للمحدث ابن لُهيعة أوهام فاحشة ، منها إنه روى أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- احتجم في مسجده ، فعقّب عليه مسلم بقوله: (( و هذه رواية فاسدة من كل جهة ، فاحش خطؤها في المتن و الإسناد معا جميعا ) )، وذلك أن ابن لُهيعة مُصحّف في متنه و مُغفل في إسناده ، ثم بين أن معنى الحديث هو أن رسول الله احتجر في المسجد بخوصة أو حصير يصلي فيه ، و ليس معناه أنه احتجم فيه )) (3) .
(1) بنية العقل العربي ، ص: 118 .
(2) للتوسع في ذلك أنظر كتابنا: أخطاء ابن خلدون في كتابه المقدمة ، ص: 24 و ما بعدها .
(3) مسلم بن الحجاج: التمييز ، حققه مصطفى الأعظمي، السعودية ، مكتبة الكوثر ، 1411 ، ، ص: 187 .