و الشاهد الثاني يتعلق بما ذكره الحافظ أبو داود السجستاني (ت275ه) ، فإنه انتقد الواعظ غلام الخليل البغدادي (ت275ه) ، و وصفه بأنه دجال بغداد ، ثم قال إنه نقد 400 حديث رواها غلام الخليل فوجدها كلها كذب بمتونها و أسانيدها (1) .
و الشاهد الأخير-أي الثالث- يتضمن مثالين ، أولهما يتعلق بما قاله الحافظ عبد الله بن عدي الجرجاني (ت365ه) عن مرويات محمد بن سليمان بن مسمول، من أن عامتها لا يُتابع فيها ، من حيث أسانيدها و متونها (2) . و ثانيهما يتعلق أيضا بابن عدي ، فإنه عندما نقد الراوي محمد بن عبد الرحمن القسري ، قال إنه مجهول ، روى أحاديث بأسانيده كلها مناكير ، و منها ما متنه منكر (3) .
و لا يغيب عنا أن نقد الأسانيد و المتون ، تعود بداياته إلى زمن رسول الله -عليه الصلاة و السلام- و صحابته ، على ما سبق أن أثبتناه . كما أن علماء الحديث ، قد نصوا في مصنفات علم مصطلح الحديث ، على أن نقد الحديث يشمل الأسانيد و المتون معا (4) . و قد كرر الجابري نفس الخطأ في كتابه العقل الأخلاقي العربي ، عندما قال: (( حسب مقاييس الصحة و الضعف ، التي يعمل بها أهل الحديث ، و هي تخص مدى عدالة الرواة ) ) (5) . فقوله هذا هو ترديد لما قاله في كتابه بنية العقل العربي ، و هو غير صحيح على إطلاقه ، على ما سبق أن بيناه.
(1) الذهبي: السير ، ج 13 ص: 283 .
(2) ابن الجوزي: الضعفاء و المتروكين ، ج3 ص: 69 .
(3) ابن عدي: الكامل في ضعفاء الرجال ، ج 6 ص: 257 .
(4) أنظر مثلا: الخطيب البغدادي: الكفاية في علم الرواية ، ص: 3 . و ابن الصلاح: مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث ، دار الشهاب ، الجزائر ، ص: 31 .
(5) هامش ص: 523 .