و أما الموقف الثالث فيتعلق بخبر الآحاد ، فقال الجابري: إن هذا الخبر قام على أساس سلطة إجماع الصحابة ، و إسناده لا (( يُثبتُ صحة الخبر في ذاته ، بل إنما يُثبتُ صحة نسبته إلى الرسول ، طِبقا للشروط التي يعتمدها أهل الحديث ، فهو صحيح على شروطهم ، و ليس صحيحا في نفسه ) ) (1) .
و قوله هذا غير صحيح ، و فيه تدليس و تغليط ، بدليل الشواهد الآتية: أولها إن شرعية الأخذ بحديث الآحاد لا تعود أولا إلى إجماع الصحابة في الأخذ به ، و إنما تعود إلى القرآن و السنة النبوية الصحيحة ، فالقرآن الكريم نص صراحة على قبول خبر الآحاد ، في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} - سورة الحجرات/6- ، فرغم أن هذا الواحد فاسق أمرنا الله تعالى بالتثبت من خبره ، و لم يأمرنا برفضه مطلقا ، فما بالك بخبر الواحد العدل الضابط ؟ .
و كذلك الحال في السنة النبوية ، فقد كان رسول الله-صلى الله عليه و سلم- يرسل الواحد ، و الآحاد من أصحابه إلى مختلف الجهات للقيام بأعمال كلفهم بها ، و يثق فيهم ، و لا يرد أخبارهم . و هذا أمر معروف و متواتر من سيرته -عليه الصلاة و السلام- لا يحتاج إلى توثيق .
(1) بنية العقل العربي ، ص: 125 .