و الشاهد الثاني هو أن علماء الحديث طلبوا الحديث الصحيح في ذاته ، بالاعتماد على نقد المتون و الأسانيد معا ، كوسيلة للوصول إلى الحديث الصحيح في ذاته ، و ليس أنهم طلبوا مجرد صحة الإسناد ، دون النظر في المتن ، لذا قالوا: إن الحديث صحيح بذاته وفق شروطهم ، و لم يقولوا: إن الحديث يصح لمجرد صحة إسناده . و لهذا هم فرّقوا بين صحة الإسناد ،و صحة المتن ، و ردوا أحاديث أسانيدها صحيحة (1) .
كما أن شروطهم - التي وضعوها - كاتصال الإسناد ، و خلو الحديث من الشذوذ و العلة على مستوى الأسانيد و المتون ، أقاموها على أسس منطقية ، و لم يُقيموها على أسس خيالية خرافية ، لذا فهم مثلا لا يقبلون الحديث المنقطع ، لأنه لا يصح عقلا أن يروي إنسان حديثا عن رجل يدعي أنه سمعه منه ، و هو لم يلتق به ، أو لم يسمع منه ، أو لم يلحق به زمنيا (2) !! .
و كذلك هم لا يقبلون الحديث الذي يُخالف القطعي من القرآن الكريم ، و السنة النبوية ، و الثابت من التاريخ . و يردون أيضا الأحاديث التي تخالف بدائه العقول ، و الواقع المشهود ، و قد كان المؤرخ الحافظ عبد الرحمن بن الجوزي يقول: (( ما أحسن قول القائل: إذا رأيت الحديث يُباين المعقول ، أو يُخالف المنقول ، أو يُناقض الأصول ، فاعلم أنه موضوع ) ) (3) .
(1) أنظر: المنذري: الترغيب و الترهيب ، ج 1 ص: 245 ، 282 ، ج 4 ص: 250 . و الخطيب البغدادي ، تاريخ بغداد ، ج 3 ص: 98 ، 168 . و ابن جماعة: المنهل الروي ، ط2، دار الفكر ، دمشق ، 1406 ، ص: 37 .
(2) محمود الطحان: تيسير مصطلح الحديث، مكتبة رحاب ، الجزائر ، د ت ، ، ص: 76 ، و ما بعدها .
(3) السيوطي: تدريب الراوي ، ج 1 ص: 277 . و ابن قيم الجوزية: المنار المنيف ، ص: 44 ، 45 ، 79 ، 80 . و الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ، ج 3 ص: 98 . و الذهبي: السير ، ج 4 ص: 342، 343 . و للتوسع أكثر أنظر كتابنا: أخطاء ابن خلدون ، ص: 27 ، و ما بعدها .