فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 613

و الشاهد الأخير - أي الثالث- هو أن ما قاله الجابري يتضمن طعنا في منهج المحدثين ، و شكا فيما يروونه ، فأما الطعن فيتمثل في قوله بأنهم أقاموا منهجهم على نقد الإسناد دون المتن ، مما يعني أن منهجهم ناقص ، أهمل جانبا هاما في صحة الخبر ، و هو المتن .

و أما الشك فيتمثل في قوله بأن المحدثين لم يهتموا بصحة الحديث في ذاته ، و إنما اهتموا به من حيث ثبوت إسناده فقط . و هذا يعني بأنهم قد يروون المستحيلات و الخرافات و يقبلونها ، لأن أسانيدها قد صحت عندهم ، من دون نظر في متونها . و هذا افتراء على القوم ، و لا يصح في حقهم على ما قد سبق أن بيناه .

و أما الموقف الرابع ، فهو أيضا يتعلق بخبر الآحاد ، فقد قال الجابري: إن خبر الآحاد لا يُوجب العلم ، و أما كونه يُوجب العمل ، فهذا أيضا ليس بسبب (( وثاقة الإسناد ، بل بسبب تواتر الخبر بإجماع الصحابة على العمل به ) ) (1) . و قوله هذا فيه ثلاثة أخطاء واضحة ، أولها إن الصواب في إيجاب خبر الآحاد للعلم ، هو أنه خبر يُفيد العلم النظري ، بمعنى العلم الذي يتوقف على النظر و الاستدلال ، فإذا صح وجب الاحتجاج و العمل به (2) .

و ثانيها إنه-أي الجابري - لم يُفرق بين مشروعية الأخذ بخبر الآحاد كخبر ، و بين صحته للعمل به ، و جعل سبب العمل به هو تواتر الخبر بإجماع الصحابة على العمل به ، و هذا سبق أن بينا خطأه ، لأن مشروعية الأخذ بخبر الآحاد أصلها القرآن الكريم و السنة النبوية ، و ليس إجماع الصحابة على العمل به.

(1) بنية العقل العربي ، ص: 125 .

(2) محمود الطحان: تيسير مصطلح الحديث ، ص: 21 ، 31 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت