فهرس الكتاب

الصفحة 547 من 613

و هناك رواية صحيحة ذكرها ابن سعد و البخاري ، فيها اقتراح و تخيير و ترج ، من عثمان لأبي ذر -عندما جاءه مشتكيا- بالاعتزال و البعد عما هو فيه ، فاختار الخروج إلى الربذة ؛ و ليس فيها أنه أهانه و نفاه إلى الربذة .و موجز الرواية هو أن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذر -رضي الله عنه- فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا ؟ فذكر له أنه لما استقدمه عثمان من الشام إلى المدينة ، كثر الناس عليه بها كأنهم لم يروه قبل ذلك ؛ ثم قال له أبو ذر: (( فذكرت ذاك لعثمان، فقال لي: إن شئت تنحيت فكنت قريبا . فذاك الذي أنزلني هذا المنزل ، و لو أمّروا علي حبشيا لسمعت و أطعت … ) ) (1) .

و لا تناقض بين ما قررناه هنا ،و بين ما ذكرناه سابقا ، من أن أبا ذر هو الذي أستأذن عثمان للخروج إلى الربذة ، و لم يجبره على الخروج إليها ؛ لأن ما ذكرته رواية البخاري و ابن سعد هو تصوير لجانب ما جرى بين الرجلين ، و هو يندرج ضمن السياق العام لما جرى بينهما . فيبدو أن أبا ذر لما شكا لعثمان ما لقيه من مضايقات - من جراء إقبال الناس عليه - ناقشه في الأمر و اقترح عليه حلولا ، الأمر الذي جعل أبا ذر يفكر في الأمر جيدا ،و يتخذ قرارا نهائيا بالخروج إلى الربذة ، فأستأذن عثمان للخروج إليها ، فأذن له و توجه إليها . و مما يؤكد هذا الاحتمال هو أن الروايات الصحيحة السابقة الذكر ، قد نصت صراحة على أن عثمان لم ينف أبا ذر إلى الربذة ،و إنما هو الذي خرج إليها طواعية ، بعدما استأذن عثمان في الخروج إليها .

(1) البخاري: الصحيح ، ج 2 ص:509 .و ابن سعد: الطبقات ج 4 ص: 226 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت