فهرس الكتاب
و أما ما رواه الحافظ عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ابن طاووس ، عن أبيه ، أن الرسول -عليه الصلاة و السلام- قال لأبي ذر: (( كيف بك إذا أخرجوك من المدينة ؟ قال: آتي الأرض المقدسة . قال: فكيف بك إذا أخرجوك منها ؟ قال: آتي المدينة . قال: كيف بك إذا أخرجوك منها ؟ قال: آخذ سيفي فأضرب به ، قال: فلا و لكن اسمع و أطع و إن كان عبدا ) )، ثم تضيف الرواية أن أبا ذر لما خرج إلى الربذة وجد عبدا يصلي بالناس ، فصل خلفه ، وأقره في مكانه عندما أراد الانسحاب حين أحس به (1) . فهذا الحديث ظاهر إسناده صحيح ، لأن رجاله ثقات معروفين .و فيه تصريح بأن أبا ذر يخرج - بضم الياء و تسكين الخاء و فتح الراء- من المدينة . لكن يجب فهمه في إطار الحديث الصحيح الآنف الذكر ، و الروايات الصحيحة السابقة ، و عليه فيمكن القول أن هذا الحديث فيه إخبار بأن أبا ذر سيجد معارضة في المجتمع ، من جراء دعوته لمذهبه المتشدد ، عندما أوجب على الناس الزهد ، و حرّم على الأغنياء كنز الأموال و إن أدوا زكواتها (2) . فمقاومة بعض الناس له ،و عدم موافقة كثير من الصحابة له في موقفه هذا ، هو نوع من المقاومة و الإخراج له ، لكنه ليس إخراجا فيه الظلم و الحيف و الإهانة ، كما زعمته الروايات المغرضة الباطلة ، لذا أمره رسول الله - عليه الصلاة و السلام-بالعزلة و الخروج و عدم المقاومة دفعا للفتنة ، لأن مذهبه إن صلح له و للزهاد ، فإنه لا يصلح لعامة الناس . كل ذلك دفعه إلى اختيار العزلة و الخروج من المدينة إلى الربذة بإرادته ، دون إكراه من عثمان . و هذا هو الذي صرّحت به رواية عبد الرزاق ، فعندما ذكرت الحديث ، قالت أن أبا ذر خرج إلى الربذة ،و لم تقل أنه أُخرج أو نُفي إليها .
(1) مصنف عبد الرزاق ، حققه حبيب الأعظمي، ط2 بيروت ، المكتب الإسلامي، 1403 ،ج 2 ص: 381 .
(2) ابن تيمية: منهاج السنة ، ج6 ص: 272 و ما بعدها